واختار اللّه لما في الجنّة يوم الدّين من مسعدات لأصحابها لفظ النعيم . أمّا لذّات الحياة الدنيا ومسعداتها مهما بلغت فقد أطلق اللّه عزّ وجلّ عليها لفظ « متاع » لما فيها من انتفاع مؤقّت يعقبه الزوال ، فلا خلود لها ، بخلاف نعيم الجنّة فهو خالد مقيم .
قال الأزهري : فأمّا المتاع في الأصل فكلّ شيء ينتفع به ، ويتبلّغ به ، ويتزوّد ، والفناء يأتي عليه في الدنيا .
وبعد تقديم هذا الوعد العظيم للمتقين ، قدّم هذا الدرس من دروس السورة الدّليل العقليّ الذي يوجب أن يكون في خطّة الوجود بعد امتحان الناس في ظروف الحياة الدّنيا ، يوم يحاسب الناس فيه على ما سلف من أعمالهم في الحياة الدنيا .
ويفصل القضاء بشأنهم ، ثمّ يجازون ، بالعدل ، أو بالفضل .
وذلك بمقتضى كون اللّه عزّ وجلّ حكيما ، فالحكمة تقتضي ذلك ، وإلّا كان هذا الخلق عبثا ومنافيا للعدل . والرّبّ الخالق العليم القدير جلّ جلاله الذي له كلّ صفات الكمال ، والمنزّه عن كلّ صفات النقصان ، لا بدّ عقلا أن يكون حكيما ، وأن يكون منزّها عن العبث ، ومنزّها عن أن تكون أعماله منافية للعدل ، فقدّم الدّليل البرهانيّ بصيغة أدبيّة رائعة .
فقال عزّ وجلّ :
*
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
( 36 ) ؟ .
المجرم : المتعدّي بذنب كبير . والجرم : التعدّي ، والذنب .
ما لكم ؟ : أي : أيّ شيء هو لكم من حقّ أو فكر أو رأي مقبول ، يجعلكم تحكمون بأنّه يمكن أن يسوّي الرّبّ الخالق الذي تزعمون أنّكم تؤمنون بوجوده ، بين المسلمين المستسلمين المطيعين له ، وبين العصاة المذنبين المجرمين ؟