فحلّق رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ببصره إلى السماء فقال :
« أترون هذه الشّمس ؟ » .
قالوا : نعم .
قال : « فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا شعلة » .
فقال أبو طالب : واللّه ما كذبنا ابن أخي ، فارجعوا . . ) .
ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما هو عليه يظهر دين اللّه ، ويدعو إليه ، غير مستجيب لما دعاه إليه المكذّبون ، ولم يتخلّ عمّه أبو طالب عن نصرته .
( 3 ) ثم مشى الرجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، فقالوا له : يا أبا طالب ، إنّ لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا ، وإنّا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتّى تكفّه عنّا ، أو ننازله وإيّاك في ذلك ، حتّى يهلك أحد الفريقين .
ثمّ انصرفوا .
فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بأن يخذل ابن أخيه ويسلمه لهم .
فبعث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : يا ابن أخي ، إنّ قومك قد جاءوني فقالوا لي : كذا وكذا ، وقصّ عليه نبأ ما جاءوا به ، ثمّ قال له :
فأبق عليّ وعلى نفسك ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق .
فظنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ عمّه قد ضعف عن نصرته ، وأنّه خاذله ومسلمه لقومه ، فقال : يا عمّ ، واللّه لو وضعوا الشّمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 219
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢١٩