في ذلك من شتيمة لهم فيما يتصوّرون ، إذ هم غير مستعدّين لترك ما هم عليه ، وقبول دعوته ونصحه ، وتغيير عقائدهم وعاداتهم وأعمالهم وأخلاقهم وطرائقهم في حياتهم .
وقد تعرّض الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيما بعد في مسيرته الدّعويّة لمثل هذه المطالب ، لكنّه اعتصم بالمنهج الرّبّاني الذي أمره اللّه فيه بأن لا يطيع المكذّبين ولو على سبيل المداهنة .
وروايات السيرة النبويّة تشهد بهذا ، فمنها ما يلي :
( 1 ) مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عمّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونصيره في قومه ، فقالوا : يا أبا طالب ، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفّه أحلامنا ، وضلّل آباءنا ، فإمّا أن تكفّه عنّا ، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه ، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه .
فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردّهم ردّا جميلا ، وانصرفوا عنه ، ومضى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يظهر دين اللّه ، ويدعو إليه ، ولم يتخلّ عمّه عن مناصرته .
( 2 ) قال عقيل بن أبي طالب :
جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا : إنّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا ، فانهه عنا . فقال : يا عقيل ، انطلق فأتني بمحمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فانطلقت إليه ، فاستخرجته من كبس « 1 » ، فجاء به في الظهيرة في شدّة الحرّ ، فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدّة الحرّ ، فلمّا أتاهم قال أبو طالب : إنّ بني عمّك هؤلاء قد زعموا أنّك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم ، فانته عن أذاهم .
هامش
( 1 ) الكبس : البيت الصغير . قال شمّر : من كبس ، أي : من بيت صغير ، ويروى بالنون من الكناس وهو بيت الظبي ، والأكباس بيوت من طين ، واحدها كبس . . والكبس اسم لما كبس من الأبنية ، انظر لسان العرب .