تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
المكذّبين له بمقتضى المنهج الرّباني ، وهو عدم طاعتهم في أيّ أمر يعرضونه من شأنه الإخلال بواجب من واجبات رسالته ، أو واجب من واجبات الدعوة إلى سبيل اللّه ، وأن لا يداهنهم على حساب شيء من رسالته ودعوته مخلّا بمبدأ أو حكم ، أمّا المداراة في أمور الدّنيا ممّا لا يمسّ شيئا من أمور الدّين بنقص أو زيادة أو تحريف ، فهي من أساليب الدعوة ، إذا اقتضتها الحكمة ، في الظرف المناسب الذي يكون فيه الداعي . وفي بيان هذا المنهج الربانيّ قال اللّه عزّ وجلّ لرسوله فلكلّ داع إلى سبيل ربّه من أمّته : *
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
( 9 ) . والسبب في النهي عن طاعتهم ولو على سبيل مداهنتهم أنّهم لا يعرضون أمرا من الأمور المتعلّقة بدعوة الرّسول إلّا مشتملا على ما يخالف واجب الرّسالة وتبليغها ، أو على زحزحة الداعي عن بعض مفهومات دين اللّه أو أحكام شريعته ، أو ما يجب عليه من تبليغ وبيان ودعوة إلى سبيل ربّه . إنّ الدّعوة إلى دين اللّه الحقّ لا بدّ أن تتضمّن بيان فساد عقيدة الكافرين والمشركين ، وفساد أعمالهم في عبادة الأوثان ، أو فساد ما هم معتادونه من ظلم وفحش وعدوان وأخلاق اجتماعيّة ذميمة قبيحة فيها إثم أو فجور ، وهذا أمر يعتبره الذين لا يستجيبون للدّعوة شتيمة لهم ولطرائقهم وعاداتهم ، وتسفيها لأحلامهم ، وتنقيصا لهم ، وسبّا لآبائهم الذين ورثوها عنهم . فإذا كان للداعي في قومه عزوة تنصره ، أو مكانة اجتماعيّة تخشى ، فإنّ المكذبين برسالته يلجؤون في أوّل الأمر لمطالبته أو مطالبة مناصريه من عشيرته بأن يكفّ عن التعرّض لعقيدتهم وأعمالهم وعاداتهم وأخلاقهم ، لما