المجنون في فريق الكافرين ، لا في فريق الرّسول والذين آمنوا معه ، وقد دلّ على جنونه أنه دفع بنفسه وبمن اتّبعه إلى مصير الشقاء والعذاب والخسارة والندم .
وجاء استعمال السّين :
فَسَتُبْصِرُ
للدلالة على المستقبل القريب في الدنيا ، ولو كان المستقبل البعيد في الآخرة لكان المناسب استعمال حرف التسويف « سوف » .
وقد تحقّق بفضل اللّه هذا ، فرأى الرسول والمؤمنون في العهد المدنيّ كيف حلّت بالكافرين الهزائم المنكرة ، ورأى الكافرون مصيرهم الذي وعد اللّه الرسول به ، وأوعدهم به ضمنا .
لقد تضمّن هذا النصّ وعدا من اللّه لرسوله بأنّه سيظفره ، وينصره على متّهميه بالجنون ، وعندئذ يبصرون بأعين رؤوسهم مصائرهم الّتي تدلّ على أنّ كلّ واحد منهم كان هو الذي يستحقّ لقب « المجنون » .
* قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 7 ) .
جاءت هذه الآية بمثابة التعليل للإيعاد بالمصير السّيّئ الذي سيصير إليه الذين اتّهموا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنون ، والوعد بالمصير الحسن السّارّ الذي سيصير إليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والذين آمنوا به واتّبعوه ، فهو بمضمونه إيعاد ووعد .
وسبب هذين المصيرين أنّ اللّه أعلم من كلّ عليم بالضّالين عن سبيله ، وأعلم من كلّ عليم بالمهتدين ، أي : وبما أنّه جلّ جلاله حكيم في تصاريف قضائه وقدره ، فلا بدّ أن يمنح العاقبة الحسنة للمهتدين ( أي :
لرسوله وللذين آمنوا به واتّبعوه ) ولا بدّ أن ينزل العاقبة السّيّئة المخزية بالذين ضلّوا عن سبيله ( أي : بالكافرين الذين اتّهموا الرّسول بالجنون وكذّبوا بما أنزل اللّه عليه ) .