تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
المشرق والمغرب ، فمن له الرّبوبيّة كلّها لا بدّ أن تكون له وحده الإلهيّة ، فلا يجوز عقلا ولا في أوامر الدين عبادة غيره ، ولا إشراك أحد معه في العبادة . وفي توحيد الرّبوبيّة ، وتوحيد الإلهيّة ، للّه وحده لا شريك له ، بيان للأصلين الأوّلين من أصول الدّين ، وترسيخ لهما في أفئدة المؤمنين . ولمّا كانت الرّبوبيّة للّه وحده ، إذ هو وحده المتصرّف بكلّ شيء في الكون ، ولمّا كان هو وحده المستحقّ لأن يعبد ، ولمّا كان التوكّل على شيء غيبيّ عنصرا من عناصر العبادة ، ولمّا كان الإنسان بحاجة ماسّة دواما لأن يتوكّل في أموره على غيبيّ قدير عليم رحيم ، قال اللّه عزّ وجلّ في النّصّ هنا : *
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا :
أي : فاجعله وكيلا ، وقم بأعمالك متوكّلا عليه ، حتّى ييسّر لك الأمور ، ويسهّل لك الأسباب ، ويمدّك بالحول والقوّة والمعونة ، ويصرف عنك الموانع ، ويذلّل لك العقبات ، سواء أكانت أعمال عبادة أم أعمال تحقيق لمطالب الحياة الدنيا ومعايشها . إنّ المتدبّر لهذا الدرس الأوّل من دروس سورة ( المزمّل ) يلاحظ مبلغ الاهتمام بأعمال العبادة الّتي تصل المؤمن بربّه ، وتعدّه للقيام بواجب جهاد الدّعوة وأعمال الجهاد الأخرى ، فمجاهدة النفس عمل سابق ومتقدّم على القيام بواجبات جهاد الآخرين . وبعد إعداد النّفس عن طريق مجاهدتها بالعبادات ، وأثناء القيام بجهاد الدّعوة ، تأتي الوصيّة بالأخذ بفضيلة الصّبر على ما يقول الكافرون المكذّبون ، فقال اللّه عزّ وجلّ : [ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ( 10 ) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ( 11 )
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 171 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني