إذا نطق السّفيه فلا تجبه * فخير من إجابته السّكوت
ومهما يكن الكلب كثير النّباح ، فإنّه إذا لم يجد من خصمه ردّا ملّ وسكت عن الإلحاح ، ولا سيما إذا هجره خصمه وابتعد عنه وعن مباءته .
والهجر الجميل هو الهجر الذّي لم يقترن بغضب ولا مخاصمة ولا عتاب ، فهو هجر الراغب في العودة إلى المهجورين ، الحريص على خيرهم ونجاتهم وسعادتهم ، ودخولهم في عباد اللّه الصالحين .
ومقتضيات التربية الحكيمة والدعوة إلى اللّه برفق توجب على الداعي أن يكون خفيف الظّلّ ، غير ثقيل على من يدعوهم ، وإن واجهوه بما يكره من قول أو أذى ، وهجره لهم هجرا جميلا مقرونا بالإغضاء عنهم وعدم مقابلتهم على أقوالهم الجارحة بمثلها ، أو بغضب وانفعال وحدّة ، من شأنه أن يهدم ما في نفوسهم ضدّه ، ويليّن من قسوتهم نحوه شيئا فشيئا ، وربما اجتذب من صفوفهم من في قلوبهم بذور خير وإنصاف وحقّ وتأثّر بالفضيلة وكمال الخلق ، فالهجر الجميل يكون بالتواريّ بصورة مؤقّتة ، وبعدم مقابلة السيئة بمثلها ، وربّما يقترن به تكريم وإحسان عن بعد .
*
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ :
سبق نظير هذا التعبير التّهديديّ في سورة ( المدّثر ) بشأن الوليد بن المغيرة ، وشرح ما يتعلّق به .
أي : ودعني والمكذّبين المترفين أهل التّنعّم في الدّنيا ، بما آتيتهم من سعة في الرّزق والصحّة ، فأبطرتهم النّعمة الّتي سيقت إليهم لامتحانهم بها .
النّعمة : بفتح النّون هي التّرفّه وزيادة الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا ووسائلها . والنّعمة : بكسر النون ، ما أنعم به عليك من عطاء تحبّه ، أو خدمة ترضيك .