هاتان الآيتان من التنزيل المدنيّ نزلتا بعد أن حقّق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم المطلوب منه فيهما في المرحلة المكيّة الّتي نزلت فيها السّورة ، وقد ضمّتا إليها .
فما السّرّ في هذا والخطاب فيهما موجّه للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ !
ونستطيع بالتأمّل أن نفهم أنّ خطاب الرّسول في هذا هو خطاب لكلّ الدّعاة إلى دين اللّه من أمّته ، فإذا كانوا في مرحلة من مراحل دعوتهم للنّاس مماثلة للمرحلة التي نزلت فيها سورة ( المزّمّل ) فالمطلوب منهم أن يصبروا على ما يقول فيهم رافضو دعوتهم ، وأن يهجروهم هجرا جميلا ، وأن يتركوا لربهم المعرضين عنهم من كبراء قومهم المترفين أولي النّعمة ، وأن يمهلوهم .
ولمّا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مرحلة نزول سورة ( المزّمل ) محقّقا في نفسه وفي سلوكه المطلوب في هذا النجم القرآني ، لم يكن بحاجة إلى تنزيله عليه يومئذ .
بيد أنّ المنهج للدّعاة من بعده لا بدّ أن يكون مستوفيا كلّ عناصره ، فاقتضت الحكمة الرّبّانيّة العجيبة تأخير التنزيل إلى المرحلة المدنيّة ، ووضع النّصّ المنزّل في مكانه الملائم له ، فتحقّق بهذا الإجراء غرضان تربويّان أو أكثر .
أي : إنّ هذه المرحلة من مراحل الدعوة تتطلّب تحقيق مضمون هذا المنهج ، لكنّ الرّسول قد حقّقه دون أن يطلب منه ، فلم يكن هو في هذه المرحلة بحاجة إلى إنزاله عليه ، ولو أنه لم يكن قد حقّقه لنزل هذا الخطاب بشأنه إبّان نزول سورة ( المزّمل ) أمّا الدّعاة إلى دين اللّه من بعده فهم بحاجة إليه ، وخطاب الرسول هو خطاب لأمّته ما لم يكن الأمر من خصائصه الشخصيّة .
فاعجب لهذا الأسلوب البيانيّ التربويّ البديع ، وتفهّم دلالته الحكيمة .
*
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ :