ودلّ قول اللّه تعالى :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
( 6 ) على أنّه ينبغي تخصيص اللّيل لأعمال العبادة على اختلاف أنواعها ، وترك أعمال كسب الأرزاق للنّهار ، إلّا عند الحاجة أو الضرورة .
*
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا
( 7 ) .
الخطاب في هذه الآية موجّه للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ لأمّته المتأسّين به ، ولا سيما حملة رسالته في الدعوة إلى اللّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيادة الخلق إلى الحقّ والخير والهدى .
السّبح : حركة الانتقال من مكان لآخر برفق ولين وسهولة ، ومنه سبح السّمك في الماء ، وسبح الطّير في الهواء ، وسبح الكواكب والنجوم في مسيراتها بأفلاكها ، وحركة اللّيل والنهار الدائرة في فلكها .
ويطلق السّبح على تقلّب الإنسان وتصرّفه في معايشه ، وسمّى العرب جري الخيل سبحا ، وقالوا عن الفرس الذي يجري : « سابح » لأنّ حركته السّريعة حركة سبح ، إذ تكاد قوائمه لا تلامس الأرض .
فالمعنى : إذا خصصت اللّيل لعبادة اللّه فيه كما أمرك اللّه ربّك بقوله :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
( 2 ) فإنّ لك في النهار مجالا واسعا وزمنا طويلا للقيام بما تحتاج إليه من مطالب حياتك ، ومعايشك ، وللقيام بوظائف رسالتك الدّعويّة والتربويّة ، والجهاديّة مع الناس .
وقد علمنا أنّ تفريغ اللّيل للقيام بالصلاة ونحوها قد كان في السنوات العشر الأولى من تاريخ رسالة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ نزلت الآية ( 20 ) من السورة ناسخة هذا التكليف الإلزاميّ ، ويظهر أن قيام جزء من اللّيل بقي واجبا على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أمّا سائر المسلمين فيسنّ لهم قيام اللّيل دواما .
وفي قوله تعالى :
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا
( 7 ) إرشاد إلى أن تكون الحركة لتحصيل مطالب الحياة ، وكسب الأرزاق ، وابتغاء المعايش ،