فالعبادة الّتي هذه صفتها تكون عبادة راسخة بعيدة عمّا يهزّها ويزلزلها عن المقصود الحقيقيّ منها ، من عوارض النفس وشهواتها ، ومشاغل الفكر ، وصوارف الرّياء والسّمعة ، لأنّها تكون بين العبد وربّه في صفاء ونقاء وخلوة ، في جوف اللّيل المحاط بالرّهبة والسّكون .
وعبارة :
أَشَدُّ وَطْئاً
تحمل أيضا معنى أنّ العبادة في آناء اللّيل أكثر غلبة للنفس وشهواتها ، وأكثر قهرا لها وتذليلا ، أخذا من قول العرب :
وطئنا العدوّ وطأ شديدا .
وجاء في القراءة الثانية : [ أشدّ وطاء ] الوطاء : الموافقة ، يقال لغة :
أوطأ فلان فلانا على الأمر ، إذا وافقه ، والتواطؤ هو التوافق . والمراد من كون ناشئة اللّيل أشدّ وطاء أنّها أشدّ مواطأة وموافقة بين أعمال الجوارح وحالة النفس والفكر والقلب . أي : هي أجمع لكلّ جوانب النفس حتّى عمق الفؤاد مع مشاعر الحواسّ الظّاهرة على العبادة .
وَأَقْوَمُ قِيلًا :
القيل : هو القول . والمعنى أنّ القول في ساعات وآناء اللّيل يكون أكثر استقامة ، وأدنى إلى مطابقة الحقّ والخير والهدى ، وأكثر سدادا ورشدا وتوفيقا للمعاني الجليلة .
إنّ اللّيل بسكونه ورهبة ظلمته يهيّئ للعابد سكينة نفسيّة ، تجعل ما يقوله في عبادته من ذكر ودعاء وتدبّر لآيات كتاب اللّه ، وما يتفكّر فيه من آيات اللّه الكونيّة ، أكثر استقامة ، وأقرب إلى مطابقة الحق والخير والهدى ، وأصدق مناجاة للّه وتذلّلا بين يديه .
واستقامة القول في الذكر والدّعاء والتّلاوة وإنشاء المقالات وتأليف المؤلفات وابتكار الأفكار تكون بالتزام الحق والخير والهدى ، وابتغاء مرضاة اللّه عزّ وجلّ ، بحضور صحيح ثابت راسخ مع اللّه ، فكرا ونفسا وقلبا حتّى عمق الفؤاد .