أي : وليست البيانات القرآنيّة عن « سقر » وما فيها من عذاب شديد للكافرين ، بيانات لمخلوقات لا تفكير لديها ، ولا عقل يعقل تصرّفاتها ، كالأنعام والبغال والحمير وغيرها من البهائم والدّوابّ الّتي تنحصر مدركاتها غالبا بالحسيّات .
بل هذه البيانات عنها تذكير للبشر ، الّذين يدركون بأجهزة التفكير لديهم كثيرا من الغيبيّات الموجودة في هذا الكون العظيم الواسع جدّا ، بأدلّة فكريّة عقليّة ، ويدركون الغيبيّات المستقبليّة الّتي تأتيهم بها الأخبار الصادقة عن الرّبّ الّذي آمنوا به ربّا خالقا ، وتدلّهم الأدلّة الفكريّة العقليّة على وجوب الإيمان برسله المؤيّدين منه بالمعجزات الباهرات ، ووجوب الإيمان بما يبلّغونه عن ربّهم جلّ جلاله .
فهذه البيانات بيانات للبشر ، لا للحمير والبقر وأمثالهما ، فمن علم أنّه بشر خلقه اللّه في أحسن تقويم ، فإنّ عليه أن يجعل هذه البيانات الرّبّانيّة مذكّرة له دواما .
كلمة ( ذكرى ) تأتي دالّة على ثلاثة معاني :
( 1 ) إنّها تأتي بمعنى « التذكير » إذ هي اسم له ، ومعلوم ، أنّ البيان في القرآن عن « سقر » فيه معنى التذكير آخرا ، بعد الإخبار أوّلا ، أي : يأتي الإخبار بمضمون البيان أوّلا ، والمطلوب من المتلقّي أن يكون متذكّرا له دواما ، ليأخذ حذره ، ويبتعد عن مسبّبات دخول « سقر » في كلّ أحواله وتصرّفاته الإراديّة .
( 2 ) وتأتي « الذكرى » بمعنى « التّذكّر » ومعلوم أنّ العاقل الرشيد الذي يدرك بأدوات المعرفة لديه ما هو مخيف مرعب ، يترصّد السالك في أحد سبل الضلالة ، فإنّه يجعله دائما في ذاكرته ، فيحذر سلوك سبل الضلالة .
( 3 ) وتأتي « الذكرى » اسما للتّذكرة ، وهي الوسيلة الّتي تتّخذ للتذكير ، كالبطاقة الّتي تذكّر بموعد أو شيء ما ، وكالرّتيمة التي توضع في الإصبع للتذكير .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 122
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٢٢