والحق سبحانه جلّت مشيئته في الإنشاء ، فهو ينشئ الإنسان من التقاء الزوج والزوجة ، وإن أرجعت هذا الإنشاء إلى البداية الأولى في آدم عليه السّلام ، فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلقه من نفس مادة الأرض ، والأرض مخلوق من مخلوقات اللّه .
فمنىّ الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلاصة الدم ، الذي هو خلاصة الأغذية وهي تأتى من الأرض ، فسواء رمزت لآدم بإنشائه من الأرض ، أو أبقيتها في ذريته ، فكل شئ مردّه إلى الأرض .
وقول الحق سبحانه :
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ
« 1 »
فِيها . .
( 61 ) [ هود ]
نجد فيه كلمة
اسْتَعْمَرَكُمْ
وساعة ترى الألف والسين والتاء فاعلم أنها للطلب « 2 » ، وهكذا يكون معنى كلمة « استعمر » هو طلب التعمير .
ومن الخطأ الشائع تسمية البلاد التي تحتل بلادا أخرى : « دول الاستعمار » .
أقول : إن ذلك خطأ ، لأنهم لو كانوا دول استعمار ، فهذا يعنى أنهم يرغبون في عمارة الأرض ، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يخربون في الأرض ؛ ولذلك كان يجب أن تسمى « دول الاستخراب » .
هامش
( 1 ) استعمركم فيها : أذن لكم في عمارتها واستخراج قومكم منها وجعلكم عمارها . [ راجع اللسان : مادة عمر ] .
( 2 ) قال القاضي أبو بكر بن العربي : تأتى كلمة استفعل في لسان العرب على معان :
- منها : استفعل ، بمعنى طلب الفعل كقوله : استحملته أي : طلبت منه حملانا .
- وبمعنى : اعتقد ، كقولهم : استسهلت هذا الأمر ، أي : اعتقدته سهلا ، أو وجدته سهلا . واستعظمته أي : اعتقدته عظيما ووجدته .
- وبمعنى : أصبت ، كقولهم : استجدته أي : أصبته جيدا .
- ومنها بمعنى : فعل ، كقوله : قر في المكان واستقر . نقله القرطبي في تفسيره ( 4 / 3375 ) .