وللجريمة زمن ، وللعقوبة عليها زمن ، وكفرهم بربهم حدث في الدنيا ، وهو كفر في القمة ؛ لذلك نالوا عقابا في الدنيا .
والخطر كل الخطر أن يتأخر زمن العقوبة عن زمن الجريمة ، فلا تأخذكم بهم الرحمة الحمقاء ، لأن كفرهم هو الكفر بالقمة العقدية ؛ لذلك تواصل لعنهم في البرزخ ، ثم تأتى لهم لعنة الآخرة .
وهم لم يكفروا بنعمة ربهم ، بل كفروا بربهم .
والحق سبحانه لم يطلب من أحد عبادته قبل سن التكليف ، وقدم لهم كما يقدم لكل الخلق نعمه التي لا تعد ولا تحصى ؛ ولذلك فهم يستحقون اللعنات وهي الجزاء العادل .
وقد أوضح لهم هود عليه السّلام :
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
« 1 »
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 56 ) [ هود ]
أي : أن الحق سبحانه عادل .
وأنت حين تسمع جريمتهم ؛ تنفعل وتطلب أقصى العقاب لهم ؛ ولذلك يأتي قول الحق سبحانه :
. . أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
( 60 ) [ هود ]
فأنت لا تكتفى بلعنتهم الأولى ، بل تلعنهم مرة أخرى .
ولسائل أن يقول : ولماذا يقول الحق سبحانه هنا :
. . أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
( 60 ) [ هود ]
هامش
( 1 ) الناصية : ما يبرز من الشعر في مقدم الرأس فوق الجبهة ، ويسمى مكانه أيضا ناصية - وأخذ بناصية فلان : قبض عليه وسيطر عليه متمكنا منه ، قال تعالى :ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها . .( 56 ) [ هود ] مسيطر عليها ومالك أمرها متصرف فيها . [ القاموس القويم بتصرف ص 270 ح 2 ] .