ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا
« 1 »
بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ
« 2 »
وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
« 3 » و « تلك » إشارة إلى المكان الذي عاش فيه قوم عاد ؛ لأن الإشارة هنا لمؤنث ، ولنتذكر أن المتكلم هنا هو اللّه سبحانه وتعالى .
وهكذا فصل بين « عاد » المكان ، و « عاد » المكين ، وهم قوم عاد ؛ لذلك قال سبحانه :
جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ . .
( 59 ) فهم قد ذهبوا وبقيت آثارهم .
و « عاد » إما أن تطلق على المكان والمحل ، وإما أن تطلق على الذوات التي عاشت في المكان ، فإذا أشار سبحانه ب
تِلْكَ
فهي إشارة إلى الديار ، والديار لم تجحد بآيات اللّه ؛ ولذلك جاء بعدها بقوله تعالى :
جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ . .
( 59 ) [ هود ]
والجحود هو النكران مع قوة الحجة والبرهان .
والآيات - كما نعلم - جمع آية ، وهي الأمور العجيبة الملفتة للنظر التفاتا يوحى بإيمان بما تنص عليه .
هامش
( 1 ) جحد الحق يجحده جحودا : أنكره ، وهو يعلمه . وجحد النعمة : أنكرها ولم يشكرها . وجحد الآية :
كفر بها . قال تعالى :. . وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ( 33 ) [ الأنعام ] . [ القاموس القويم ] .
( 2 ) جاءت ( رسله ) هنا بصيغة الجمع ، لا المفرد . قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3373 ) : « يعنى هودا وحده ، لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه ، ونظيره قوله تعالى :يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ . .( 51 ) [ المؤمنون ] . يعنى : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه لم يكن في عصره رسول سواه ، وإنما جمع هذا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل . وقيل : عصوا هودا والرسل قبله ، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل » .
( 3 ) الجبار : المتكبر . والعنيد : الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له . [ تفسير القرطبي 4 / 3373 ] .