وهذه من أسرار عظمة الحق سبحانه فهو يأخذ بشئ واحد ؛ ولكنه ينجى المؤمن ؛ ويعذّب الكافر ؛ فلا يوجد ناموس يحكم الكون بدون قدرة مسيطرة عليه .
يقول المتنبي « 1 » :
تسوّد الشّمس منّا بيض أوجهنا * وما تسوّد بيض العين والّلمم
وكان حالهما في الحكم واحدة * لو احتكمنا من الدّنيا إلى حكم « 2 »
وهكذا يضرب المتنبي المثل بأن جلوس الواحد منا في الشمس ؛ يجعل بشرة الأبيض تميل إلى السمرة ولا تسود بياض الشعر ، لكنك إن تركت شيئا أسود في الشمس فترة لوجدته يميل إلى الأبيض ؛ ويحدث ذلك رغم أن الفاعل واحد ؛ لكن القابل مختلف .
والحق سبحانه يقول هنا :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا . .
( 58 ) [ هود ]
فلا تقل كيف نجوا من العذاب الجامع والعذاب العام ؛ لأن هذه هي الرحمة .
والرحمة - كما نعلم - هي ألا يمس الداء الإنسان من أول الأمر ؛ أما الشفاء فهو يعالج الداء .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . .
( 82 ) [ الإسراء ]
هامش
( 1 ) هو : أبو الطيب أحمد بن الحسين ، شاعر حكيم ، ولد بالكوفة في محلة تسمى « كندة » عام 303 ه ، نشأ بالشام ، ادعى النبوة في بادية السماوة ( بين الكوفة والشام ) ، ولذلك سمى بالمتنبى ، ثم رجع عن دعواه بعد أسره ، توفى عام 354 ه عن 52 عاما . ( الأعلام لخير الدين الزركلي ) .
( 2 ) المتنبي رغم أنه أديب له قدرة على إدارة المعاني ، فقد تعرض لحقيقة علمية يؤخذ منها الأسرار الخفية ، التي تجعل العقل مختارا بتوحيد لقدرة اللّه سبحانه .