أما من يتولّى « 1 » ؛ فهو يجرم في حقّ نفسه ؛ لأن إجرام العبد إنما يعود على نفسه ؛ فلا تظنّ أن إجرام أىّ عبد بالمعصية يؤذى غيره « 2 » .
والحق سبحانه يقول :
. . وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 44 ) [ يونس ]
ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالردّ الذي قاله قوم عاد :
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
« 3 »
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
وهم هنا ينكرون أن هودا قد أتاهم ببيّنة أو معجزة .
والبيّنة - كما نعلم - هي الأمارة الدالة على صدق الرسول .
وصحيح أن هودا هنا لم يذكر معجزته ؛ وتناسوا أن جوهر أي معجزة هو التحدي ؛ فمعجزة نوح عليه السّلام هي الطوفان ، ومعجزة إبراهيم عليه السّلام أن النار صارت بردا « 4 » وسلاما عليه حين ألقوه فيها .
ونحن نلحظ أن المعجزة العامة لكل رسول يمثلها قول نوح عليه السّلام :
هامش
( 1 ) يتولى : يعرض . والتولّى : الإعراض والإدبار . ومنه قوله تعالى :فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ( 82 ) [ آل عمران ] .
( 2 ) والحق سبحانه يقول :وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً( 111 ) [ النساء ] والإثم : الذنب ، وعاقبته إنما تعود على نفسه .
( 3 ) بينة : أي : دليل وبرهان وحجة واضحة لا شك فيها . وقال تعالى :كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ . .( 211 ) [ البقرة ] وقال تعالى :. . حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ( 1 ) [ البينة ] . [ القاموس القويم ] بتصرف .
( 4 ) البرد : ضد الحر . قال بعض العلماء : جعل اللّه في النار بردا يرفع حرها ، وحرا يرفع بردها ، فصارت سلاما عليه . قال أبو العالية : ولو لم يقل « بردا وسلاما » لكان بردها أشد عليه من حرها ، ولو لم يقل « على إبراهيم » لكان بردها باقيا على الأبد . انظر تفسير القرطبي ( 6 / 4482 ) .