مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم :
فَلَمَّا رَأَوْهُ
« 1 »
عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ
« 2 »
رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
( 24 ) [ الأحقاف ]
إذن : فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة ؛ وإنما ربّ الأسباب يملكها ؛ فإن شاء فعل ما يشاء .
وإذا ما عبدت اللّه تعالى العبادة التي تنتظم بها كل حركة في الحياة ؛ فأنت تقبل على عمارة الأرض ؛ وتوفّر لنفسك القوت « 3 » باستنباطه من الأسباب التي طمرها « 4 » اللّه سبحانه وتعالى في الأرض .
والقوت - كما نعلم - من جنس الأرض ؛ لذلك لا بد أن نزرع الأرض ؛ وتمدّ البذور جذورها الضارعة المسبّحة الساجدة لله تعالى ؛ فيمطر الحقّ سبحانه السماء ؛ فتأخذ البذور حاجتها من الماء المتسرّب إليها عبر الأرض ؛ ونأخذ نحن أيضا حاجتنا من هذا الماء .
هامش
( 1 ) أي : لما رأوا العذاب مستقبلهم اعتقدوا أنه عارض مطر ففرحوا واستبشروا به ، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر . ( تفسير ابن كثير 4 / 160 ) .
( 2 ) وذلك أنهم قالوا لرسولهم هود عليه السّلام :. . فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ( 22 ) [ الأحقاف ] .
( 3 ) القوت : الطعام يحفظ على البدن حياته ، وجمعه « أقوات » . قال تعالى :وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ . .( 10 ) [ فصلت ] أي : أقوات جميع سكان الأرض من إنسان وحيوان وكل شئ حي إلى آخر الدهر . وأقات النبات أو الحيوان : أمدّة بقوته الذي يحفظ حياته . وأقات عليه : حفظه وحفظ بقاءه .
قال تعالى :. . وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً( 85 ) [ النساء ] أي : غالبا مقتدرا ، أو حافظا واقيا حياته .
[ القاموس القويم ] بتصرف .
( 4 ) طمرها : دفنها وأودعها وخبأها في باطن الأرض . والمطمورة : حفيرة تحت الأرض أو مكان تحت الأرض قد هيىء خفيّا يطمر فيه الطعام والمال . أي : يخبأ . [ لسان العرب - مادة : طمر ] .