أما المؤمن الحق فهو يعلم أنه يعبد إلها قادرا ، يعطى بالأسباب ، وبما فوق الأسباب ؛ وهو حين يمنع ؛ فهذا المنع هو عين العطاء ؛ لأنه قد يأخذ ما يضره ولا ينفعه .
وينقلنا الحق سبحانه إلى نقلة أخرى ؛ وهي لحظة أن دخلوا على يوسف عليه السّلام في مقرّه بمصر ؛ ونقرأ قوله الحق :
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ
« 1 »
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
ولم يذكر الحق سبحانه اسم من دخلوا عليه ، لأنه بطل القصة ، والضمير في « عليه » لا بدّ أن يعود إلى معلوم ، ونادوه بالتفخيم قائلين :
يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ . .
( 88 ) [ يوسف ]
أي : أن الجوع صيّرنا إلى هزال ، وبدأوا بترقيق قلب من يسمعهم ؛ بعد تفخيمهم له ؛ فهو الأعلى وهم الأدنى .
ويستمر قولهم :
هامش
( 1 ) أي : ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو ثمن قليل . قاله مجاهد والحسن وغير واحد .
[ ابن كثير 2 / 488 ] . وقال القرطبي ( 5 / 3588 ) : « الإزجاء : السّوق بدفع والمعنى :
أنها بضاعة تدفع ، ولا يقبلها كل أحد » .