وكأن هودا عليه السّلام يقول لهم : ما الذي يشقّ عليكم فيما آمركم به وأدعوكم إليه ، إنني أقدّم لكم هذا البلاغ من اللّه تعالى ، ولا أسألكم عليه أجرا ، فليس من المعقول أن أنقلكم مما ألفتم ، ثمّ آخذ منكم مالا مقابل ذلك ، ولا يمكن أن أجمع عليكم مشقة ترك ما تعوّدتم عليه وكذلك أجر تلك الدعوة .
وما دمت لن آخذ منكم أجرا ، إذن : فلا مشقة أكلّفكم بها ، كما أنني في غنى عن ذلك الأجر ؛ لأن أجرى على من أرسلني .
. . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي
« 1 »
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 51 ) [ هود ]
أي : أنّ أجرى على من خلقني معدّا لهذه الرسالة ؛ لأن الفطرة تعنى التكوين الأساسي للإنسان .
والحق سبحانه قد أعدّ هودا عليه السّلام ليكون رسولا ، ونحن نعلم - أيضا أن الأجر يكون عادة مقابلا للمنفعة .
وسبق أن ضربنا المثل بمن يشترى بيتا ، فهو يدفع ثمن البيت لصاحبه ، وتسمّى هذه العملية بيعا وشراء .
أما إذا استأجر الإنسان بيتا فهو يدفع إيجارا مقابل انتفاعه بالسكن فيه .
وقول هود عليه السّلام :
لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً . .
( 51 ) [ هود ]
يفيد أنه كان من الواجب أن يدفعوا أجرا كبيرا مقابل منفعتهم بما يدعوهم إليه ؛ لأن الأجر الذي تدفعونه في المستأجرات العامة لكم إنما يكون مقابلا لمنافع موقوتة ، لكن ما يقدمه لهم هود عليه السّلام هو منفعة غير موقوتة !
هامش
( 1 ) فطر اللّه الخلق ، كنصر : خلقهم وبدأهم ، فهو فاطر ، قال تعالى :فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .( 14 ) [ الأنعام ] خالقها - وفطر الشئ شقه فطرا والجمع فطور ، والاسم الفطرة قال تعالى :فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها . .( 30 ) [ الروم ] [ القاموس القويم باختصار ]