فإذا ما جاء جيل على الغافلين فهو يخضع لمؤثّرين اثنين :
المؤثر الأول : غفلته هو .
المؤثر الثاني : أسوة الغافلين من السابقين عليه .
ونحن نعلم أن من ذرية نوح عليه السّلام « قوم عاد » الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هودا عليه السّلام ، وكذلك « قوم ثمود » الذين أرسل إليهم أخاهم صالحا عليه السّلام ، وقوم لوط ، وهؤلاء جميعا رانت « 1 » الغفلة على قلوبهم .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
وكلمة « تلك » إشارة وخطاب ، والمخاطب هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، و « التاء » إشارة إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب ، ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معاصرا لها ولا يعلمها هو ، ولا يعلمها أحد من قومه .
وأنت يا رسول اللّه لم يعلم عنك أنك جلست إلى معلّم « 2 » ، ولم يذكر عنك أنك قرأت في كتاب ؛ ولذلك يأتي في القرآن :
هامش
( 1 ) ران الشئ رينا : صدىء ، مأخوذ من الصدأ يعلو السيف فيذهب ببريقه ، ويستعار للغشاوة تغطي على القلب بسبب الذنوب ، وران الصدأ عليه : غلب عليه وغطّاه كله . قال تعالى :كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ( 14 ) [ المطففين ] أي : غطت غشاوة الذنوب على قلوبهم . [ القاموس القويم ] .
( 2 ) حاول مشركو قريش أن يطعنوا في أن القرآن وحى من عند اللّه ، فقال عنهم سبحانه :وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ( 103 ) [ النحل ] فاتهموه بالتعلم من غلام نصراني أعجمي ، وكان بياعا يبيع عند الصفا . يقول ابن كثير في تفسيره ( 2 / 586 ) :
« ربما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يجلس إليه ويكلمه بعض الشئ ، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية ، أو أنه كان يعرف الشئ اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه » .