وكان يجب أن تأتى هنا كلمة
وَبَرَكاتٍ
لأن ما يحمله نوح - عليه السّلام - من كلّ زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ويكفى .
وقول الحق سبحانه :
. . وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
( 48 ) [ هود ]
هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية ، فقد كان المؤمنون مع نوح - عليه السّلام - هم الصفوة ، وبمضىّ الزمن طرأت الغفلة على بعض منهم ، ويأتي جيل من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة ، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماما عن المنهج .
وفي هذا يقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر الوكت « 1 » ، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المجل « 2 » ، كجمر دحرجته على رجلك فنفط ، فتراه منتبرا « 3 » ، وليس فيه شئ ، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله ، فيصبح الناس يتبايعون ، لا يكاد أحد يؤدّى الأمانة ، حتى يقال : إن في بنى فلان رجلا أمينا ، حتى يقال للرجل : ما أجلده ! ما أظرفه ! ما أعقله ! وما في قلبه
هامش
( 1 ) الوكت : الأثر اليسير . قاله الهروي . وقال غيره : هو سواد يسير . وقيل : هو لون يحدث مخالف للّون الذي كان قبله . [ شرح النووي لصحيح مسلم - 2 / 528 ] .
( 2 ) المجل : أن يكون بين الجلد واللحم ماء . والمجلة : قشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من أثر العمل . مجلت اليد : نفطت من العمل فمرنت وصلبت وثخن جلدها وتعجّر وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة . [ لسان العرب - مادة : مجل ] .
( 3 ) منتبرا : مرتفعا . وكل ما رفعته فقد نبرته . وانتبر الجرح : ارتفع وورم . [ لسان العرب - مادة : نبر ] قال النووي في شرحه لمسلم ( 2 / 528 ) : « منه المنبر لارتفاعه وارتفاع الخطيب عليه » .