والمشكلة في مجتمعاتنا المعاصرة إنما تحدث عندما يرجّح الحاكم من يراهم أهل الثقة على أهل الخبرة والأمانة ، فتختل موازين العدل .
وعلى الحاكم الذكىّ أن يختار الذين يتمتعون بالأمرين معا : أمانة على المحكوم ؛ وثقة عند الحاكم . وبهذا تعتدل الحياة على منهج اللّه .
وحين سمع يوسف عليه السّلام هذا الكلام من الحاكم :
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
( 54 ) [ يوسف ]
قرر أن يطلب منه شيئا يتعلق بتعبيره لرؤياه ، التي سبق أن أوّلها يوسف :
قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً
« 1 »
فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
( 49 ) [ يوسف ]
وهذه عملية اقتصادية تحتاج إلى تخطيط وتطبيق ومتابعة وحسن تدبير وحزم وعلم .
لذلك كان مطلب يوسف عليه السّلام فيه تأكيد على أن الواقع القادم سيأتي وفقا لتأويله للرؤيا ، فتقول الآيات :
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ
« 2 »
الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
هامش
( 1 ) دأب في عمله دأبا ودأبا : جدّ فيه ولازمه من غير فتور . أي : مداومين مجتهدين ذوى دأب . [ القاموس القويم 1 / 219 ] بتصرف .
( 2 ) الخزائن : جمع خزانة ، وهي المكان الذي تحفظ فيه الأشياء النافعة . قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 482 ) : « هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد » .