هؤلاء لن يكون التحدي بفصاحة الألفاظ ونسق الكلام ، بل بالمبادىء التي تطغى على مبادئ الفرس والروم .
وهي مبادئ قد نزلت في أمة مبتدّية « 1 » ، ليس لها قانون يجمعها ، ولا وطن يضمهم يكون الولاء له ، بل كل قبيلة لها قانون ، وكلهم بدو يرحلون من مكان إلى مكان .
وحين نزل فيهم القرآن علم أهل فارس والروم أن تلك الأمة المتبدّية قد امتلكت ما يبنى حضارة ليس لها مثيل من قبل ، رغم أن النبي أمّي وأن الأمة التي نزل فيها القرآن كانت أمية .
وفارس والروم يعلمون أن الرسول الذي نزل في تلك الأمة تحدّاهم بما نبغوا فيه ، وما استطاع واحد منهم أن يقوم أمام التحدي ، ومن هنا شعروا أنهم أمام تحد حضارى من نوع آخر لم يعرفوه .
ويشاء الحق - سبحانه - أن ينزل القرآن عربيا ؛ لأن الحق لم يكن ليرسل رسولا إلا بلسان قومه ، فهو القائل :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ
« 2 »
قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . .
( 4 ) [ إبراهيم ]
هامش
( 1 ) متبدية : نسبة إلى البادية . يقال : تبدّى الرجل : أقام بالبادية . والبادية : خلاف الحضر . وسمّيت بادية لبروزها وظهورها عن أماكن تجمع الناس في الحضر حول الماء وغيره . بتصرف من [ لسان العرب - مادة : بدو ] .
( 2 ) اللسان : إحدى حواس الذوق والنطق ، قال تعالى :أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ( 9 ) [ البلد ] فاللّه يمتنّ على الإنسان بنعمة البصر والنطق . واللسان : اللغة والكلام ، قال تعالى :وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً . .( 34 ) [ القصص ] أي : أقدر منى على الكلام الفصيح .
وقال تعالى :وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ . .( 22 ) [ الروم ] ألسنتكم ، أي : لغاتكم ولهجاتكم [ القاموس القويم - مادة لسن ] .