وهناك معنى آخر : فهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينطق أسماء الحروف « ألف لام راء » ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم الأمى « 1 » بشهادة المعاصرين له بما فيهم خصومه ، رغم أن القادر على نطق أسماء الحروف لا بدّ أن يكون متعلّما ، ذلك أن الأمى ينطق مسمّيات الحروف ولا يعرف أسماءها « 2 » ، وفي هذا النطق شهادة بأن من علّمه ذلك هو ربه الأعلى .
ويقول الحق - سبحانه :
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
( 1 ) [ يوسف ]
كلمة « الكتاب » عندما تطلق فمعناها ينصرف إلى القرآن الكريم « 3 » .
ونجد كلمة « المبين » ، أي : الذي يبيّن كل شئ تحتاجه حركة الإنسان الخليفة في الأرض ، فإن بان لك شئ وظننت أن القرآن لم
هامش
( 1 ) « قال أبو إسحاق : معنى الأمى : المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه ، مكتسبة ، فكأنه نسب إلى ما يولد عليه ، أي : على ما ولدته أمه عليه » نقله ابن منظور في [ لسان العرب - مادة : أمم ] وقال : « بعثه اللّه رسولا وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب ، وكانت هذه الخلّة إحدى آياته المعجزة لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم تلا عليهم كتاب اللّه منظوما ، تارة بعد أخرى . بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيّره ولم يبدّل ألفاظه » إذن : الأمى هو ما كان على الفطرة الربانية ، وتلقيه للإمدادات هو من العطاءات النورانية ، أما الكتابة فهي اكتساب ، وعلم الأمى من الخصوصيات الاصطفائية .
( 2 ) الفرق بين الاسم والمسمّى بالنسبة للحروف أن حروفا مثل : ( ك ) ، ( ت ) ، ( ب ) ، ينطقها الأمى في كلامه ( كتب ) كمسميات للحروف ، ولكنه لا يستطيع أن يقول لك : إن هذا الحرف اسمه ( ك ) أو هذا اسمه ( تاء ) أو هذا اسمه ( باء ) ، فهو لا يستطيع أن يتهجى الكلمة ، ولكنه يستطيع أن ينطقها للدلالة على فعل الكتابة ، وقد أخذها من أفواه الناس هكذا . ( من مفهوم الخواطر ) .
( 3 ) وردت لفظة « الكتاب » في القرآن ( 230 ) مرة ، ويقصد بها معاني كثيرة : القرآن ، التوراة ، الإنجيل ، اللوح المحفوظ . ومن معاني الكتاب أيضا « الرسالة » مثل رسالة سليمان عليه السّلام التي أرسلها مع الهدهد إلى ملكة اليمن فقال :اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ( 28 ) [ النمل ] . ومن المعاني أيضا صحيفة الإنسان التي تعرض عليه يوم القيامة :اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً( 14 ) [ الإسراء ] .