وإن قيل : تلك نبوءة محمد ، نقول : ما علم محمد بأخبار المعسكرين ولا بأسرار السياسة الداخلية لهما ؟
وقد جاء نصر الروم كما حدد القرآن ، وكان هذا هتكا للحجب ، حجاب الزمان ، وحجاب المكان ، وحجاب الناس ، وأوحى به الحق سبحانه عالم الغيب المطلق لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
والغيب المطلق هو الذي لا يعرفه إلا الحق - تبارك وتعالى - وليس له مقدمات ، ويكشفه اللّه لمن يرتضيه ، مصداقا لقوله - سبحانه :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . .
( 27 ) [ الجن ]
وهذا الغيب « 1 » المطلق يختلف عن الغيب المقيّد الذي له مقدمات ؛ ما إن يأخذ بها الإنسان ويرتبها حتى يصل إلى اكتشاف سرّ من أسرار الكون .
والحق - سبحانه - هو القائل :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ . .
( 255 ) [ البقرة ]
وهكذا نعلم أن كل المكتشفات كانت موجودة في الكون ومطمورة فيه ؛ وجعل اللّه - تعالى - لكل مستور منها ميلادا ، فالبخار واستخدامه في الحركات كان له ميلاد ؛ والكهرباء كان لها ميلاد ؛ واكتشاف الذرة كقوة ومصدر للطاقة كان له ميلاد ، وكل مكتشف ومخترع له ميلاد ، وتتوالى مواليد الغيب مستقبلا ، وفي ميلادها
هامش
( 1 ) الغيب : مصدر ويسمّى به ما غاب واستتر ، قال الحق :الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . .( 3 ) [ البقرة ] .
والغيب : هو ما غاب عن العيون كالجنة والنار والملائكة والجن ، وجمعه غيوب . قال تعالى :إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ( 109 ) [ المائدة ] . [ القاموس القويم ج 2 / 64 ] .