أي : أن ما جاء من ذكر حكيم هو أمر غائب عنكم ، يخبركم به اللّه - سبحانه - من خلال ما ينزله على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقد شاء الحق - سبحانه - أن يحفظ هذا الذّكر الحكيم ، ثقة منه - سبحانه - أنه إذا أخبرنا في القرآن بخبر لم يجئ أوانه ، فلنفهم أنه قد أخبر بما له من أزلية علم بالكون وما يجرى فيه ، وبما له من قدرة مطلقة تتحكم فيما يؤول إليه أمر المختار من الكائنات - مؤمنهم وكافرهم - فإذا حدثنا القرآن بشئ مما يغيب عن الإنسان ، فلنعلم أنه إخبار بصدق مطلق .
وهناك الكثير مما يغيب عن الإنسان ، وهناك حجاب بين وسائل إدراك الإنسان وبين بعض المدركات ، ومرة يكون الحجاب حجاب زمن ، فإذا أخبر اللّه - تعالى - عن أمر لم نشهده من قديم قد أوغل « 1 » في الزمن ، ولم يقرأه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في كتاب ولم يسمعه من معلّم « 2 » ؛ فهذا كشف لحجاب الماضي .
ولذلك فبعض سور القرآن الكريم يسميها العلماء « ماكنات القرآن »
هامش
( 1 ) وغل في الشئ وغولا : دخل فيه . ووغل : ذهب وأبعد ، وتوغّل في الأرض : ذهب فأبعد فيها .
وكذلك أوغل في العلم . [ لسان العرب - مادة : وغل ] .
( 2 ) وفي ذلك يقول اللّه تعالى :وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ( 48 ) [ العنكبوت ] قال مجاهد : كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية . قال النحاس : دليلا على نبوته لقريش ؛ لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ، ولم يكن بمكة أهل الكتاب ، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم ، وزالت الريبة والشك . [ انظر : تفسير القرطبي - 7 / 5241 ] .