ومن المتاعب أيضا ما يلقاه المؤمنون من عنت المستفيدين من الفساد ؛ هؤلاء الذين يعيشون على الانتفاع من المفاسد ، ويواجهون كل من يريد أن يقضى على الفساد ؛ لأن الفساد في الأرض لا يعيش إلا إذا وجد منتفع بهذا الفساد ؛ والمنتفع بالفساد يكره ويعلن الخصومة لكلّ مقاوم له .
إذن : فموقف خصوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم موقف طبيعي لصالحهم ، ولكنهم - لحمقهم - حددوا الصالح بمصالحهم الآنية « 1 » في الحياة الدنيا ؛ ولم ينظروا إلى عاقبة ما يؤول إليه أمرهم في الآخرة نعيما أو عذابا « 2 » .
ولو أنهم امتلكوا البصيرة ؛ لعرفوا أن من مصلحتهم أن يوجد من يقوّمهم حتى لا يقدموا لأنفسهم شرّا يوجد لهم في الآخرة .
ولو أنهم فطنوا ؛ لعلموا أن الرسول كما جاء لصالح المستضعفين المستغلين بالفساد ؛ جاء أيضا لصالحهم ، ولو أنهم كانوا على شئ من التعقل ؛ لكانوا من أنصار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ ولكان
هامش
( 1 ) المصالح الآنية : العاجلة . نسبة إلى ( الآن ) وهو الأمر العاجل الحال ، وهو ظرف للوقت الحاضر معرف بأل دائما ، ومبنى على الفتح . قال تعالى :قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ . .( 71 ) [ البقرة ] [ القاموس القويم 1 / 45 ] .
( 2 ) ولذلك قال عنهم رب العزة :يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ( 7 ) [ الروم ] ثم يلفت الحق نظرهم إلى الكون وما فيه وإلى عاقبة المكذبين فيقول :أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 ) أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 9 ) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ( 10 ) [ الروم ]