ولذلك يقول الحق - سبحانه :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
« 1 »
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
« 2 »
. .
( 32 ) [ الزخرف ]
وهكذا نعرف أن رفع الدرجات لا يعنى تلك النظرة الحمقاء الرعناء « 3 » ، والتي تدعى أن في ذلك التقسيم رفعة للغنى وتقليلا لشأن الفقير ؛ لأن الواقع يؤكد أن كل إنسان هو مرفوع في جهة بسبب ما يحسنه فيها ؛ ومرفوع عليه في جهة أخرى بسبب ما لا يحسنه ويحسنه غيره ، وغيره مكمل له .
وهكذا يتبادل البشر ما يحققه اختلاف مواهبهم « 4 » ، واختلاف المواهب هي مقومات التلاحم .
ولذلك قلنا : إن مجموع سمات ومواهب كل إنسان إنما يتساوى مع مجموع سمات ومواهب كل إنسان آخر ، ولا تفاضل إلا بالتقوى ؛ وقيمة كل امرئ ما يحسنه .
هامش
( 1 ) الدرجة : المرقاة يرقى عليها الصاعد إلى أعلى ، ويهبط عليها النازل من أعلى ، وهي واحدة درجات السّلم ، تستعار للمنزلة والمكانة المعنوية في الفضل والجاه ، وفي الأجر والثواب عند اللّه . قال تعالى :هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ . .( 163 ) [ آل عمران ] أي : أنهم منازل مختلفة في الفضل وفي الثواب كلّ بحسب عمله . قال تعالى :رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ . .( 15 ) [ غافر ] أي : أن اللّه عنده المنازل العالية ينزل فيها من يشاء من عباده المقربين ، واللّه عال متعال فوق أعلى الدرجات عليّ القدر ، جلّ شأنه . [ القاموس القويم : 1 / 225 ] .
( 2 ) سخره يسخره : أذلّه وقهره وأخضعه . قال تعالى :لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . .( 32 ) [ الزخرف ] وسخّره بالتشديد : أخضعه وقهره لينفذ ما يريد منه بدون إرادة ولا اختيار من المسخّر ، ومنه قوله تعالى :وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . .( 164 ) [ البقرة ] [ القاموس القويم : 1 / 306 ] .
( 3 ) الرعونة : الحمق . والأرعن : الأهوج في منطقه . [ لسان العرب . مادة : رعن ] .
( 4 ) إن اختلاف المواهب هو للتكامل الإنسانى نحو تيسير حركة الحياة ، بخلاف اختلاف الأهواء ففيها فساد لحركة الحياة .