جعل فيك زاوية اختيار ، وتذكّر أنك على أساس من هذه الزاوية تتلقّى التكليف من اللّه ب « افعل » « 1 » ، و « لا تفعل » ؛ لأن معنى « افعل كذا » : أنك صالح ألّا تفعل ؛ ومعنى « لا تفعل كذا » : أنك صالح أن تفعل ؛ لأن لديك منطقة اختيار ؛ ولكن لديك في زواياك الأخرى منطقة قهر وتسخير ، فتأدّب في منطقة الاختيار ، كما تأدبت في منطقة الاضطرار والقهر .
وقد وصف الحق - سبحانه - الإنسان بأنه كنود ، قال تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
« 2 » ( 6 ) [ العاديات ]
لأن الإنسان لا يتذكر أحيانا أن مهمة عقله الأولى هي أن يعقل حدوده ، وأن يقول لنفسه : ما دامت الحيوانية فىّ مقهورة ، وما دامت الجمادية فيّ مقهورة ؛ فلأكن مؤدبا مع ربى ، وأجعل منطقة الاختيار على مراد منهج اللّه .
وأنت إن أردت أن تضع إحصائية ل « افعل » ولا « تفعل » لوجدت ما لم يرد فيه تكليف ب « افعل » و « لا تفعل » لا يقل عن خمسة وتسعين في المائة من حركة الحياة ، وهو المباح .
وأنزل اللّه - سبحانه - التكليف لتنضبط به حركة حياتك كلها - إن جعلت التكليف هو مرادك - وهو لن يأخذ أكثر من خمسة في المائة من حركة الحياة ، ويعود خير ذلك عليك .
هامش
( 1 ) وكلمة افعل ولا تفعل تدور حول مطلوبات المنهج أمرا ونهيا ، فالفرض والواجب والسنة والمستحب مأمور بهم . والحرام والمكروه منهيّ عنهما ، وللأمر عطاؤه مصداقا لقوله تعالى :نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ( 31 ) [ فصلت ] وللنهي عقابه أو المغفرة من اللّه .
( 2 ) كند النعمة يكندها : جحدها ولم يشكرها ، فهو كاند ، وصيغة المبالغة « كنود » . قال تعالى :إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ( 6 ) [ العاديات ] أي : كفور شديد الجحود . [ القاموس القويم : مادة ( كند ) ] .