لأن الحق - تبارك وتعالى - أثبت لنفسه طلاقة القدرة في تسخير أجناس لمراده ؛ بحيث لا تخرج عنه ، وذلك يثبت للّه - سبحانه - القدرة ولا يثبت له المحبوبية .
أما الذي يثبت له المحبوبية فهو أن يخلق خلقا ؛ ويعطيهم في تكوينهم اختيارا .
ويجعل هذا الاختيار كلّ واحد فيهم صالحا أن يطيع ، وصالحا أن يعصى ، فلا يذهب إلى الإيمان والطاعة إلا لمحبوبية اللّه - تعالى .
وهكذا نعلم أن الكون المسخّر المقهور قد كشف لنا سيّال « 1 » القدرة ، والجنس الذي وهبه اللّه الاختيار إن أطاع فهو يكشف لنا سيال المحبوبية .
والحق - سبحانه - هو القائل :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . .
( 29 ) [ الكهف ]
ولكن أيترك الإنسان حتى يأتي له الغرور في أنه يملك الاختيار دائما ؟
لا . . فمع كونك مختارا إياك أن تغتر بهذا الاختيار ؛ لأن في طيّك قهرا « 2 » ، وما دام في طيك قهر فعليك أن تتأدب ؛ ولا تتوهّم أنك مختار في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن ؛ ولا تتوهم أنك منفلت من قبضة اللّه - تعالى - فهو يملك زمامك « 3 » في القهريات التي تحفظ لك
هامش
( 1 ) سال يسيل سيلا ، وسيلانا ، ومسيلا ، ومسالا ، فهو سائل ، وسيّال : جرى وطغى . ويقال : سالت الأرض ونحوها ، وسالت بما فيها . وسالت عليه الخيل وغيرها : جرت من كل وجه وتدفقت . وسال بهم السيل ، وجاش بنا البحر : وقعوا في أمر شديد ، ووقعنا نحن في أشد منه . وسالت الغرّة :
استطالت وعرضت في الجبهة وقصبة الأنف .
وسيّال القدرة الإلهية : ظهور آثارها في جميع المخلوقات ، وانتشارها وشمولها لكل شئ في الكون ، ما علمنا منه وما لم نعلم . [ المعجم الوسيط : مادة ( سيل ) ] بتصرف .
( 2 ) لأن الإنسان مختار فيما يستطيع البديل فيه ، مقهور فيما لا يستطيع إبداله ، إذن : للاختيار حدود مقرونة بالاستطاعة ، والطاقة البشرية .
( 3 ) الزمام : الخيط الذي يشد في البرة أو في الخشاش ثم يشد إلى طرف المقود . ويقال : « هو زمام قومه » : قائدهم ومقدمهم وصاحب أمرهم . وهو زمام الأمر : ملاكه . وألقى في يده زمام أمره :
فوّضه إليه . ويملك اللّه زمامك : أي : يملك أمورك كلها . [ المعجم الوسيط : مادة ( زمم ) ] بتصرف .