ونحن نعلم أن الإنسان قد طرأ على هذا الكون بعد أن خلق اللّه - سبحانه - في هذا الكون كل مقومات الحياة ؛ المسخرة بأمر اللّه لهذا الإنسان ؛ ليمارس مهمة الخلافة في الأرض ؛ ولم تتأبّ « 1 » تلك الكائنات على خدمة الإنسان ، سواء أكان مؤمنا أم كافرا ؛ لأن الحق - سبحانه - هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود ، وما دام قد استدعاه ؛ فهو - سبحانه - لن يضن عليه بمقومات هذا الوجود ؛ من بقاء حياة ، وبقاء نوع .
وهذا هو عطاء الربوبية الذي كفله اللّه - سبحانه - لكل البشر :
مؤمنهم وكافرهم ، وهو عطاء يختلف عن عطاء الألوهية المتمثل في المنهج الإيمانى : « افعل » و « لا تفعل » .
ومن يأخذ عطاء الألوهية مع عطاء الربوبية فهو من سعداء الدنيا والآخرة « 2 » .
إذن : فقدرة اللّه - سبحانه - قد أرغمت الكون - دون الإنسان - أن يؤدى مهمته ، وكان من الممكن أن يجعل البشر أمة واحدة مهتدية لا تخرج عن نظام أراده اللّه - سبحانه وتعالى « 3 » - كما لم تخرج الشمس أو القمر أو الهواء أو أي من الكائنات الأخرى المسخّرة عن إرادته .
هامش
( 1 ) أبى إباء وإباءة ، وتأبّى عليه : استعصى . وأبى الشئ : كرهه ولم يرضه . وفي التنزيل العزيز :وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ . .( 32 ) [ التوبة ] . وفي المثل : « رضى الخصمان وأبى القاضي » يضرب لمن يطالب بحق نزل أصحابه عنه . [ المعجم الوسيط : مادة ( أبى ) ] بتصرف .
( 2 ) يقول الحق سبحانه :إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ( 32 ) [ فصلت ] .
( 3 ) يقول تعالى :. . وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ( 9 ) [ النحل ] . ويقول :وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً . .( 48 ) [ المائدة ] . ويقول أيضا :وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ . .( 8 ) [ الشورى ] .