ولذلك حين سألوا الحسن البصري : كيف يحسن الإنسان إلى من أساء إليه ؟
أجاب : إذا أساء إليك عبد ، ألا يغضب ذلك ربه منه ؟ قالوا : نعم .
قال : وحين يغضب اللّه من الذي أساء إليك ؛ ألا يقف إلى جانبك ؟ أفلا تحسن إلى من جعل اللّه يقف إلى جانبك ؟
ولهذا السبب يروى عن أحد الصالحين « 1 » أنه سمع أن شخصا اغتابه ؛ فأهدى إليه - مع خادمه - طبقا من بواكير « 2 » الرطب ، وتعجب الخادم متسائلا : لماذا تهديه الرطب وقد اغتابك ؟
قال العارف بالله : بلّغه شكري وامتنانى لأنه تصدّق علىّ بحسناته عندما اغتابنى ، وحسناته - بلا شك - أنفس من هذا الرطب .
ولذلك يقال : إن الذي يعفو أذكى فهما ممن عاقب ، لأن الذي يعاقب إنما يعاقب بقوته ؛ والذي يعفو فهو الذي يترك العقاب لقوة اللّه تعالى ، وهي قوة لا متناهية .
وهكذا نفهم قول الحق سبحانه :
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى
« 3 »
وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
( 102 ) [ هود ]
هامش
( 1 ) هو الحسن البصري ، روى أن رجلا قال له : إن فلانا قد اغتابك فبعث إليه رطبا على طبق وقال :
قد بلغني أنك هديت إلىّ من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرنى فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام . أورده الغزالي في الإحياء ( 3 / 154 ) .
( 2 ) البواكير : جمع باكور أو باكورة ، وهي أول ما يدرك من الثمر . وهي أيضا المعجّل من كل شئ .
[ المعجم الوسيط : مادة ( ب ك ر ) ] بتصرف .
( 3 ) القرى : جمع قرية وهي البلدة الكبيرة وتكون أقل من المدينة ، أو هي كل مكان اتصلت به الأبنية .
قال تعالى :وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها . .( 82 ) [ يوسف ] أي : أهل القرية ، مجاز مرسل علاقته المحلية . وكذلك قوله تعالى :وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ( 13 ) [ محمد ] والمراد : أهلها أشد من أهل مكة الذين أخرجوك . وقوله تعالى :إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ . .( 102 ) [ هود ] أي : أخذ أهلها وهم ظالمون . [ القاموس القويم : مادة ( ق ر ى ) ] .