وكذلك نقول : « زكم فلان » فمن الذي أصابه بالزكام ؟ لا نعرف سببا ظاهرا للزكام .
إذن : فإذا جهل الفاعل فنحن نبنى الفعل للمجهول ، ولكن ما يأتي بعده يكون فاعلا .
وقوله تعالى :
يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ . .
( 78 ) [ هود ]
يبيّن أنهم أقبلوا باندفاع ، كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه ؛ لأن كلا منهم له دربة على ذلك الفعل المشين ، أو أن كلا منهم ذاهب إلى ما يحب دون تهيّب ، باندفاع من نفسه ودفع من غيره ، مثلما تقول : « سنوزع تموينا بالمجان » ؛ هنا تجد الناس يتدافعون ، كل منهم من تلقاء نفسه ، وغيره يدفعه ليرتد إلى الوراء .
وقوم لوط كانوا على دربة بتلك الفاحشة .
يقول الحق سبحانه عنهم :
وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ . .
( 78 ) [ هود ]
أي : أن هذه المسألة عندهم كانت محبوبة ، ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم ، ولا حياء يمنعهم عنها .
فالحياء يعنى أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها ، لكن إذا ما كانوا كلهم يحبون تلك السيئة ، فلن يخجل أحد من الآخر « 1 » .
هامش
( 1 ) وليس أدل على حبهم الشديد لهذه الفعلة وعدم حيائهم من إتيانهم إياها أنهم كانوا يأتون بها في ناديهم وهو مجلسهم حيث يجتمعون للحديث والتشاور ، قال الحق :أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ . .( 29 ) [ العنكبوت ] ومما كانوا يأتونه أيضا في مجالسهم : الضراط ، والصفير ، ولعب الحمام ، والسخرية من أبناء السبيل . [ القاموس القويم ] ، والدر المنثور للسيوطي [ 6 / 461 ] .