وقسم آخر في الكون تركه الحق سبحانه للإنسان ؛ حتى يقيمه بالقوة الموهوبة له من اللّه .
وأنت لا تجد فسادا في كون اللّه تعالى إلا وجدت فيه للإنسان يدا ، أما الأمور التي ليس للإنسان فيها يد فهي مستقيمة ، ولذلك يقول الحق سبحانه :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
« 1 » ( 5 ) [ الرحمن ]
والمراصد تحدّد موقع الأرض بين الشمس والقمر ، وموقع القمر بين الأرض والشمس بدقة تتناسب مع قوله الحق :
بِحُسْبانٍ ؛
لأن الإنسان ليس له دخل في هذه الأمور .
وفيما لنا فيه اختيار علينا أن نتدخل بمنهج اللّه تعالى ؛ لتستقيم حركتنا مثل استقامة الحركة في الأكوان العليا التي لا دخل لنا فيها .
إذن : فالذي يفسد الأكوان هو تدخّل الإنسان - فيما يحيط به ، وفيما ينفعل له وينفعل به - على غير منهج اللّه ؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى :
الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ
« 2 »
( 4 ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
( 5 ) [ الرحمن ]
هامش
( 1 ) الحسبان : الحساب . والشمس والقمر بحسبان أي : بحساب ومنازل حددّها اللّه سبحانه فلا يعدوانها .
وقال الزجاج : « بحسبان » يدل على عدد الشهور والسنين وجميع الأوقات . وقال أبو العباس : حسبان مصدر حسب يحسبه حسابا وحسبانا . وقال الأخفش وأبو الهيثم : الحسبان جمع حساب . قال تعالى :فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً . .( 96 ) [ الأنعام ] . [ اللسان : مادة ( حسب ) . . بتصرف ] .
( 2 ) البيان : ما بيّن به الشئ من الدلالة وغيرها . وبان الشئ بيانا : اتّضح ، فهو بيّن . وكذلك أبان الشئ إبانة فهو مبين . والبيان : الفصاحة والإفصاح مع ذكاء ، والبيان : إظهار المقصود بأبلغ لفظ . قال تعالى :هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ( 138 ) [ آل عمران ] . وقال :ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ( 19 ) [ القيامة ] [ اللسان : مادة ( بين ) . . بتصرف ] .