تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5787

مساهمون:

ص٥٧٨٧
تخرج أنت وزوجتك تقول لها : إن أبناءنا لن يأكلوا إلا جبنا وزيتونا ؛ لأنهم سوف يستسهلون هذا الطعام . ولو لم يكن في الثلاجة إلا الجبن ، لما قلت ذلك ؛ لأن هذا هو لون الطعام القهري . لكن ما دام في الأمر اختيار ؛ فأنت تستشف من سابق سلوك الأبناء . وعندما ترجع تجد أبناءك قد تصرفوا وفق ما حكمت به ، رغم أنك تركت لهم الاختيار . ومثال هذا في القرآن قوله الحق :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
( 3 ) . [ المسد ] وفي هذا حكم من اللّه تعالى بأن أبا لهب « 1 » سيموت كافرا ، وهذا حكم معلن ويردّد في الصلاة ، ونحفظه ، وأبو لهب هو عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان كافرا مثل غيره من الكفار . وقد آمن من الكفار الكثير . ألم يسلم عمر ؟ ألم يسلم عكرمة بن أبي جهل ؟ ألم يسلم عمرو بن العاص ؟ ألم يسلم خالد بن الوليد ؟ فما المانع أن يسلم أبو لهب هو الآخر ؟ لا ، لم يسلم وعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ربه أن ذلك لن يكون منه . وما كان من الممكن أن يمكر أبو لهب ويعلن إسلامه تكذيبا للقرآن ؛ لأن الحق علم أزلا سلوك أبى لهب .
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ .
هامش
( 1 ) أبو لهب هو أحد أعمام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب ، وكنيته أبو عتبة ، وإنما سمى أبا لهب لاحمرار وجهه وإشراقه كأنه اللهب . وسبب نزول السورة التي ذكر فيها ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى « يا صباحاه » فاجتمعت إليه قريش فقال : « أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا : نعم . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل اللّه :تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّإلى آخرها . أخرجه مسلم في صحيحه ( 208 ) عن ابن عباس .