ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ
فإذا كنتم قد خلفتم من هلكوا ، فمن اللازم أن تأخذوا العظة والعبرة في أن اللّه تعالى غالب على أمره « 1 » ، ولا ترهقوا الرسل ، بل تأخذوا المنهج ، أو على الأقل ، لا تعارضوهم إن لم تؤمنوا بالمنهج الذي جاءوا به من اللّه . واتركوهم يعلنون كلمة اللّه ، وليعيدوا صياغة حركة المؤمنين برسالاتهم في هذا الكون على وفق ما يريده اللّه سبحانه ، وأنتم أحرار في أن تؤمنوا أو لا تؤمنوا .
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . .
( 29 ) [ الكهف ]
والدليل على ذلك أن الإسلام حينما فتح كثيرا من البلاد ترك لهم حرية اعتناق الإسلام أو البقاء على أديانهم ، مع أنه قد دخل بلادهم بالدعوة أو الغلبة ، ولكنه لم يقهر أحدا على الدين ، وأخذ المسلمون منهم الجزية « 2 » مقابل حماية المسلمين لهم .
ولو كان الإسلام قد انتشر بالسيف لما أبقى أحدا على دينه ، ولكن الإسلام لم يكره أحدا ، وحمى حرية الاختيار بالسيف . ولأن الذين لم يؤمنوا بالإسلام عاشوا في مجتمع تتكفّل الدولة الإسلامية فيه بكل متطلبات حياتهم ، والمسلم يدفع زكاة لبيت المال ، فعلى من لم يؤمن - وينتفع بالخدمات التي يقدمها المجتمع المسلم - أن يدفع الجزية مقابل تلك الخدمات .
هامش
( 1 ) لقد حثّ اللّه سبحانه الناس على النظر في عاقبة السابقين وما حدث لهم في أزمانهم ، وذلك في آيات كثيرة من القرآن ، منها :قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ( 137 ) [ آل عمران ] . وأَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . .( 109 ) [ يوسف ] . واللّه سبحانه قد حسم مسألة الصراع بين الحق والباطل في قوله تعالى :وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ( 21 ) [ يوسف ] .
( 2 ) الجزية : هي مبلغ من المال يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب ، فرضها الإسلام عليهم في مقابل فرض الزكاة على المسلمين ، ونظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الإسلامية التي يقيمون فيها ، وهي تجب على من كان : ذكرا ، مكلفا ، حرا . ولا تجب على مساكين وفقراء أهل الكتاب . انظر : فقه السنة للشيخ سيد سابق ( 3 / 112 - 117 ) .