الأمور الاختيارية فقد أعطى لخلقه الاختيار . وقد علم ما سوف يفعلونه غيبا « 1 » ، فصمم المسألة على وفق ما علم .
وإياك أن تظن أنه أراد بذلك أن يلزمك ، لا ، فقد علم أنك ستختار .
وهكذا علم الحق سبحانه من سيظلم نفسه - أزلا - وسبق في علمه أن أهل القرون السابقة الذين أهلكهم لا يؤمنون .
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
والظلم معناه نقل الحق من صاحبه إلى غيره . والحقوق الموهوبة من الخالق للبشر قد يظلمون فيها بعضهم البعض ، لكن أعلى درجات الظلم حين يظلم أحد حقّ الإله الأعلى في أن يكون إلها واحدا ، وأن ينقل ذلك لغيره . تلك هي قمة الظلم ؛ لذلك قال سبحانه :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
( 13 ) [ لقمان ]
وهم قد ظلموا في قضية العقيدة الأولى ، أو ظلموا في الحقوق بينهم وبين أنفسهم مصداقا لقوله تعالى :
وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 44 ) [ يونس ]
والواحد منهم ظالم ومظلوم في آن واحد ؛ لأن الإنسان ملكاته متعددة ، ومن هذه الملكات ملكة الإيمان الفطري ، وملكة النفع العاجل الذاتي . فإذا تغلبت ملكة النفع العاجل ؛ تخرج النفس اللوّامة « 2 » ؛ لتعيد الأمر إلى صوابه ، أما إن كانت نفس تأمر بالسوء فهي تطلب تحقيق
هامش
( 1 ) الغيب : ما غاب عن العيون وإن كان محصّلا في القلوب . والغيب : ما غاب عنك ولا يغيب عن علّام الغيوب . قال تعالى :يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . .( 3 ) [ البقرة ] . وقال :إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .( 18 ) [ الحجرات ] . [ لسان العرب : مادة ( غيب ) . . بتصرف ] .
( 2 ) اللوّامة : صيغة مبالغة من اللائمة . أي : كثيرة اللوم . والنفس اللوامة : هي التي تكثر من لوم صاحبها على أخطائه . قال تعالى :لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ ( 1 ) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ( 2 ) [ القيامة ] .