تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5784

مساهمون:

ص٥٧٨٤
في شئ نسميهم « قرنا » . وقد يكون القرن في الزمنية ، ولذلك حسبوا القرن مائة سنة ، والبشر الذين يجتمعون في مائة سنة يسمونهم قرنا . أو القرن جماعة يقترنون في شئ يجمعهم ، مهما طال بهم الأمد « 1 » . وقوله الحق :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
فهل لو أمهلهم اللّه - تعالى - كانوا سيؤمنون ؟ لا ، فلله علم أزلىّ ، يعلم الأشياء على وفق ما تكون عليه اضطرارا أو اختيارا . والمثل من حياتنا وأعرافنا - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان حين يريد بناء بيت ، فالأمر يختلف حسب مقدرته ؛ الفقير مثلا يطلب بناء حجرتين ؛ فيخطط رجل البناء لبناء حجرتين ، وإذا كان الإنسان متوسط الحال ؛ فهو يتجه إلى مهندس يصمّم له بناء على قدر سعته ، وإن كان الإنسان ثريا ؛ فهو يستدعى المهندس الذي يبنى له بيتا حسب إمكانات ورغبات هذا الثرى ، ويصمم المهندس نموذجا للبناء قبل أن يبدأ فيه ، وتظهر فيه كل التفاصيل ، حتى ألوان النوافذ والأبواب والحجرات . والعالم قبل أن يخلقه اللّه سبحانه وتعالى كانت هيئته مقدرة أزلا عنده سبحانه ، وهذا هو مطلق القدرة من الحق تعالى ، ويأتي واقع الكون على وفق ما قدره الخالق سبحانه أزلا ؛ حتى ولو كان هناك اختيار للمخلوق الكافر ، فالله سبحانه يعلمه . وقد صحّ أن القلم جفّ حتى في الأمور الاختيارية ، وسبحانه يعلم ما تجرى به الأمور القهرية وما يقضيه على خلقه بدون اختيار منهم ، أما في
هامش
( 1 ) الأمد : الغاية . والأمد : منتهى الأجل . قال تعالى :وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ . .( 16 ) [ الحديد ] . [ اللسان : مادة ( أمد ) ] .