ولكن المسلمين في هذا الوقت لم يحط فكرهم بما بين محمد وربه ؛ لأن العباد دائما يعجلون ، واللّه لا يعجل عجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد .
وقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يهدّىء نفوس المؤمنين ، وقبل أن يصلوا إلى المدينة عائدين بعد صلح الحديبية ، نزل قوله تعالى :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً
( 25 ) [ الفتح ]
وهكذا أطلع اللّه المؤمنين على علّة قبول صلح الحديبية وعدم القتال مع المشركين في هذا الوقت وذلك المكان ، فقد كان هناك مؤمنون في مكة يكتمون إيمانهم ويعيشون في مجتمع المشركين الذين يمكنهم البطش بهؤلاء المسلمين لو علموا بوجودهم . كما أن المسلمين القادمين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يعرفون هؤلاء المؤمنين ، فإذا قامت المعركة فقد يقتل المسلم مسلما ، لأن الذين قدموا من المدينة لو دخلوا مع أهل مكة في قتال فقد يقتلون بعضا من إخوانهم في الإيمان الموجودين في مكة ، فهم لا يعرفونهم . ولو كان المؤمنون في ناحية والكفار في ناحية لعذّب الحقّ الكفار بأيدي المؤمنين عذابا أليما .
إذن : فقد علم رسول اللّه من ربه سرا ولم يعلنه إلا لوقته ، رغم تعجّل من كانوا معه صلّى اللّه عليه وسلّم .