ولذلك كانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ملاحظ في توزيع الصدقات والغنائم ، قد لا يلحظها أحد . وكان الواجب على المسلمين أن يقبلوا عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن سلوكه هو الحكم ، ولا بد أن نقبله .
ففي الحديبية مثلا حيث حدث عهد بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين كفار قريش بألا يتعرض أحد منهم للآخر مدة عشرة أعوام « 1 » ، هذا الصلح أثار غضب عدد من المؤمنين وقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنرضى بالدنية في ديننا ؟ أي : كيف نعطيهم هذه العهود وهي مجحفة بالنسبة لنا ؟ حتى إن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه انفعل وأراد أن يقسو في الكلام وقال لرسول اللّه عليه الصلاة والسّلام : ألست على حق يا رسول اللّه ؟ فقال له أبو بكر : الزم غرزك يا عمر - أي اعرف مكانك - إنه رسول اللّه « 2 » . وبعد أن مرت فترة من الزمن وعرف المسلمون الحكمة من صلح الحديبية ، وما أتاحه هذا الصلح للإسلام من انتشار وقوة أدت إلى فتح مكة ، قال أبو بكر رضى اللّه عنه :
ما كان نصر في الإسلام أعظم من نصر الحديبية .
هامش
( 1 ) لهذا الصلح شروط أخرى ذكرتها كتب السيرة والتفاسير :
1 - أن يرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فلا يدخلون مكة معتمرين هذا العام .
2 - يعودون العام التالي للاعتمار ولكن بدون سلاح إلا السيوف في أغمادها فيقيم بمكة ثلاثا ويخرج .
3 - هدنة مدة عشر سنوات .
4 - من ذهب إلى المسلمين من الكافرين مسلما رجلا أو امرأة رد إلى الكفار .
5 - من جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين .
وحديث صلح الحديبية حديث صحيح طويل أخرجه البخاري في صحيحه ( 2731 ، 2732 ) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، وأخرجه مسلم في صحيحه ( 1785 ) من حديث سهل ابن حنيف .
( 2 ) قال عمر بن الخطاب : أتيت نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : ألست نبي اللّه حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول اللّه ولست أعصيه ، وهو ناصري . قلت : أوليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟ . . . وذهب عمر إلى أبى بكر فقال له نحو هذا فقال له أبو بكر : أيها الرجل ، إنه لرسول اللّه ، وليس يعصى ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه فو اللّه إنه على الحق . ( فتح الباري 5 / 332 ) . أي : استمسك بأمره واترك المخالفة له صلّى اللّه عليه وسلّم .