أفعل إلا الخير » ؛ فأنت تحس السّلام في نفسك . وإذا ما رحّب الآخرون بما تفعل ، فالحياة تسير ، بلا ضدّ ولا حقد ، وهذا ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة » « 1 » فيدخل رجل عرفه القوم فلما انصرف ؛ قام واحد من الصحابة « 2 » ، وذهب إلى الرجل ؛ ليعلم ماذا يصنع ، وسأله : ماذا تفعل حتى يبشّرك الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنة ؟ فوجد سلوك الرجل مستقيما ومتبعا للمنهج دون زيادة ، فسأله الصحابي : لماذا - إذن - بشّرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنة ؟
قال الرجل : واللّه إني لأصلّى كما تصلّون ، وأصوم كما تصومون ، وأزكّى كما تزكون ، ولكني أبيت وما في قلبي غلّ لأحد .
هذا هو السّلام النفسي ، وإذا ما وصل الإنسان إلى السّلام مع النفس ؛ فلا تضيره الدنيا إن قامت ، وبعد ذلك يضمن أن يوجد سلامه مع
هامش
( 1 ) وتمام هذا الحديث أن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال : كنا جلوسا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة . فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته تقطر من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال . فلما كان الغد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثال مقالته أيضا ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ، فلما قام قام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تبعه عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال : إني لاحيت ( خاصمت ) أبى ، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤوينى إليك حتى تمضى فعلت . قال : نعم . قال أنس : وكان عبد اللّه يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار « استيقظ » وتقلب على فراشه ذكر اللّه عز وجل وكبّر حتى يقوم لصلاة الفجر . قال عبد اللّه : غير أنى لم أسمعه يقول إلا خيرا ، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله . قلت : يا عبد اللّه إني لم يكن بيني وبين أبى غضب ولا هجر ثمّ ، ولكن سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لك ثلاث مرار : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلعت أنت الثلاث مرار ، فأردت أن آوى إليك لأنظر ، ما عملك فأقتدى به ، فلم أرك تعمل كثير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما هو إلا ما رأيت ؟ قال : فلما وليت دعاني .
فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أنى لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه اللّه إياه . فقال عبد اللّه : هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق . . . أخرجه أحمد في مسنده ( 3 / 166 ) وابن المبارك في الزهد ( 694 ) .
( 2 ) هو : عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، صحابي من أهل مكة ، كان يكتب في الجاهلية ، ويحسن اللغة السريانية ، وأسلم قبل أبيه ، ولد 7 ق ه وتوفى 65 ه . كان كثير العبادة ، وقتال الأعداء وكان مشهورا أنه يضرب بسيفين . ( الأعلام للزركلي 4 / 111 ) .