الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
( 38 ) [ التوبة ]
وحتى إن قست عمر الدنيا من بدء الخلق إلى أن تقوم الساعة ، فهي إلى فناء ، وما دامت إلى فناء ، فهي متاع قليل ، ومن يطمئن إلى هذا المتاع القليل فهو غافل ؛ لذلك ينهى الحق الآية :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ
عكس ما قال في الذين يعرفون قيمة العمل للآخرة .
حين يقول الحق :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
( 6 ) [ يونس ]
والغفلة « 1 » : هي ذهاب المعنى عن النفس ، فما دام المعنى موجودا في النفس ، فاليقظة توجد ، والغفلة تذهب . إذن : الغفلة ذهاب المعنى عن النفس ، واليقظة هي استقرار المعنى في النفس .
ونحن نعرف أن المعلومات التي يستقبلها الذهن البشرى إنما تلتقطها بؤرة « 2 » الشعور ، مثلما تلتقط آلة التصوير الفوتو غرافية أية صورة .
وإياك أن تظن أن الإنسان يعرف المعلومة من تكرارها مرتين مثلا أو أكثر ؛ لأن كل الأذهان تتفق في أنها تلتقط المعلومة من مرة واحدة ، ويتميز إنسان عن آخر في قدرته على أن يستقبل المعلومة بذهن مستعد لها ؛ لأن بؤرة الشعور لا تلتقط إلا معنى واحدا ، ثم يتزحزح المعنى إلى حاشية الشعور ؛ لتأتي المعلومة الثانية ، فإن استقبلت المعلومة وفي بؤرة شعورك معنى آخر ؛ لا تثبت المعلومة ؛ لذلك تكرر القراءة مرة واثنتين وثلاث مرات ، حتى تصادف المعلومة خلوّ بؤرة الشعور .
ومثال هذا : الطالب حين يحاول حفظ قصيدة ، فلو كان ذهنه مستعدا
هامش
( 1 ) أغفلت الشئ : تركته غفلا وأنت له ذاكر . قال تعالى :وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ( 136 ) [ الأعراف ] أي :
أنهم كانوا في تركهم الإيمان بالله والنظر فيه والتدبّر له بمنزلة الغافلين ، أو أنهم كانوا عمّا يراد بهم من الإثابة عليه غافلين . [ اللسان : مادة ( غفل ) ] .
( 2 ) بؤرة الشعور : مراكز الشعور والإحساس والإدراك في المخ . وبؤرة كل شئ مركزه . [ المعجم الوسيط : مادة ( بأر ) . . بتصرف ] .