بالاستشهاد خير مما يتركه من الحياة .
إذن : فالذي يرجو لقاء اللّه هو الذي يعدّ نفسه لهذا اللقاء ؛ بأن يتقى اللّه في أوامره ، ويتقى اللّه في نواهيه ؛ ولذلك تمر على الإنسان أحداث شتّى ؛ وهي في مقاييس اليقين بين أمرين اثنين : حسنات وسيئات ، وكل واحد يعلم أية حسنات قد فعل ، وأية سيئات قد اقترف ، ولا يغشّ أحد نفسه ، فإذا ما كان حيّا فقد يجعله الأمل يكذّب نفسه ، ولا يرى إلا ما فات من المغريات .
أما إذا جاءته لحظة الغرغرة « 1 » في الموت ، فهو يستعرض كل صفحته .
فإن كانت حسنة استبشر وجهه ، وإن كانت سيئة اكفهرّ وجهه ، ولذلك يقال : « فلان كانت خاتمته سيئة ، وفلان كانت خاتمته متهللة » . وهذا كلام صحيح ؛ لأن الروح ساعة أن تقبض فهي تترك الجسم على ما هو عليه ساعة فراقها ، فإن كان ضاحكا ومستبشرا ، فقد رأى بعضا مما ينتظره من خير .
والإنسان وقت الغرغرة لا يكذب على نفسه ، فهو ساعة يمرض بمرض فهو يأمل في العافية ، فإذا أتى وقت انتهاء الحياة تعرض عليه أعماله عرضا سريعا ، فإن كانت الأعمال حسنة تنفرج أساريره ؛ لأنه يستشرف ما سوف يلقاه من جزاء .
وهذا مثل التلميذ حين يكون مجدّا ومجتهدا ثم يقولون له : هناك من جاء لك بالنتيجة ؛ فيجرى عليه مطمئنا . وإن كان غير مجدّ ؛ لم يجب ، ويخاف من لقاء من يحمل النتيجة .
كذلك الذين يرجون لقاء اللّه ؛ عملوا استعدادا لهذا اللقاء وينتظرون
هامش
( 1 ) الغرغرة : تردّد الروح في الحلق . [ اللسان : مادة ( غرر ) ] . ولحظات الغرغرة ووصول الروح إلى الحلق هي التي ينقطع عندها قبول التوبة ، فعن عبد اللّه بن عمر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » أخرجه أحمد في مسنده ( 2 / 132 ) والترمذي في سننه ( 3537 ) وقال : حديث حسن غريب ، والحاكم في مستدركه ( 4 / 257 ) وصححه ووافقه الذهبي وابن حبان ( 2449 - موارد الظمآن ) .