تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5747

مساهمون:

ص٥٧٤٧
والقرآن ليس كتابا لبسط المسائل كلها ، بل هو كتاب منهج ، ومن العجيب أنه جاء ب « إن » وهي التي تفيد الشك في قوله :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ؛
لأن أحدا مهما أوتى من العلم ليس بقادر أن يحصى نعم اللّه في الكون ؛ ولأن الإقبال على العدّ فرض إمكان الحصر ، ولا يوجد إمكان لذلك الحصر ؛ لذلك لم يأت ب « إذا » ، بل جاء ب « إن » وهي في مقام الشك . والأعجب من هذا أنك تجد أن العدّ يقتضى التكرار ، ولم يقل اللّه سبحانه : وإن تعدوا نعم اللّه ، بل جاء ب « نعمة » واحدة ، وإذا استقصيت ما في النعمة لوجدت فيها آلاف النعم التي لا تحصى . وينهى الحق الآية بقوله :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ،
والآيات تطلق ثلاث إطلاقات : الإطلاق الأول آيات القرآن ، والإطلاق الثاني على المعجزة الدالة على صدق الرسول « 1 » ، والإطلاق الثالث للآية أنها تحمل عجيبة من عجائب الكون الواضحة في الوجود « 2 » الدالة على عظمة اللّه سبحانه . وهذه الآيات خلقها اللّه لتلفت إلى مكوّن « 3 » هذه الآيات ، واللفتة إلى مكوّن هذه الآيات ضرورة لينشأ الإنسان في انسجام مع الكون الذي أنشىء
هامش
( 1 ) والآية بمعنى أنها معجزة من المعجزات الدالة على صدق الرسول قد جاء بها القرآن على لسان المشركين والكافرين فقال سبحانه :وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ( 118 ) [ البقرة ] ونحو قولهم :وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ( 37 ) [ الأنعام ] . ( 2 ) وهي الآيات الدالة على قدرة اللّه على الخلق وتدبير الكون وتسييره بنظام لا يختل ، وذلك نحو قوله تعالى :وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ( 22 ) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 ) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( 24 ) [ الروم ] ( 3 ) والالتفات إلى المكون يقتضى مراحل ثلاث : مرحلة الإدراك ، ومرحلة الانفعال ، ومرحلة الاختيار ، فإدراك الآية يجعلك تنفعل بها ، فإذا انفعلت اخترت المكون توحيدا بحب وعبادة بصفاء وانسجاما بأخلاق ، وهنا تتم النعم بمعية اللّه .
تفسير الشعراوى — صفحة 5747 | محمد متولي الشعراوي