تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5748

مساهمون:

ص٥٧٤٨
من أجله ، بحيث لا يأتي له بعد ذلك ما ينغّص هذا الانسجام ، فهب أن إنسانا ارتاح في حياته الدنيا ثم استقبل الآخرة بشقاء وجحيم ، فما الذي استفاده من ذلك ؟ إذن : كل المسائل التي تنتهى إلى زوال لا يمكن أن تعتبر نعمة دائمة ؛ لأن النعمة تعنى أن تتنعم بها تنعّما يعطيك يقينا أنها لا تفارقك وأنت لا تفارقها ، والدنيا في أطول أعمارها ؛ إما أن تفوت النعمة فيها الإنسان ، وإما أن يفوت هو النعمة . والحق - سبحانه وتعالى - يبقى الذين يريدون أن يتقوا اللّه ؛ ليصلوا إلى نعيم لا يفوت ولا يفات ، ويجب أن ينظروا في آيات الكون ؛ لأنهم حين ينظرون في آيات الكون بإمعان يكونون قد أفادوا فائدتين : الفائدة الأولى أن يفيدوا مما خلق اللّه ، والفائدة الثانية أن يعتبروا بأن هذا الكون الذي خلقه اللّه إنما جعله وسيلة ومعبرا إلى غيره ، فقد خلق فيه الخلق ليعيش بالأسباب ، ولكنه يريد أن يسلمه بعد ذلك إلى حياة يعيش فيها بالمسبّب وهو اللّه . فالذين يتقون هم الذين يلتفتون ، والذين لا يتقون لا يعتبرون بالنظر في الكون وتمر على الإنسان منهم الأشياء فلا يعتبرون بها ، كما قال اللّه :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
« 1 » ( 105 ) [ يوسف ] إذن : فهم لا يلتفتون إلى ما في آيات الحق من الآيات الدالة على عظمة قدرة اللّه سبحانه ؛ فهم غير حريصين على أن يقوا أنفسهم عذاب الآخرة . ويقول الحق بعد ذلك :
هامش
( 1 ) أعرض يعرض إعراضا ، فهو معرض ، والجمع : معرضون . أعرض عن الشئ : إذا ولاه ظهره وابتعد عنه . [ اللسان : مادة ( عرض ) . . بتصرف ] .