بل ونجد في زماننا العالم الكافر وهو يمدّنا بأدلة الإيمان ، فكل اختراع نجد من يسجله ؛ حتى لا يسرقه غيره ، فما بالنا بالشمس التي تضئ وتدفىء ، والقمر الذي يحدد الشهور ، والنجوم التي تدل الناس على الاتجاهات « 1 » ولا شئ في كون اللّه يحتاج إلى قطع غيار ، ألا نعترف بمن خلق كل ذلك ، ها هو ذا سبحانه يدلنا على من خلق ويبلغنا ما يسجل له ملكية ما خلق ، فأنزل القرآن على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليدلنا على أنه سبحانه الذي خلق ، وأبقى اللّه الكافرين ليتحدى من يناقض قضية الخلق . وسجل الحق سبحانه ما خلقه لنفسه ، ولم يقدر أحد من الكافرين على إنكار ذلك .
ولن نأخذ الأدلة على وجود اللّه من الفلاسفة الذين يرتبون النتائج على المقدمات ، ومطابقة قياس الشكل على الموضوع ، بل سوف نأخذ الدليل من كلمة « الكفر » نفسها ، هذه الكلمة ( كفر ) تعنى : ( ستر ) ، فهل يستر إلا موجود ؟
إذن : فالكفر بالله دليل على وجود اللّه ، وما دام الكفر سترا ، فالكفر أمر طارىء ، نتيجة للغفلة ، والغفلة إنما تأتى لأن مقتضيات الإيمان تقيد النفس في حركتها ؛ لذلك قد يغفل الإنسان متناسيا أن قيود المنهج لا تطبق عليه وحده ، بل تطبق على كل الناس .
فحين يحرّم اللّه السرقة ، فهو لم يحرمها على إنسان واحد ، بل حرمها على كل إنسان ، فقيّد الآخرين ومنعهم من أن يسرقوا منك .
هامش
( 1 ) ملأ اللّه سبحانه الكون بدلائل ربوبيته ووحدانيته وأنه الخالق سبحانه وهو البديع الذي أبدع الأشياء على غير مثال سابق ، وجعلها سبحانه ظاهرة للأعين :
منها الشمس التي قال عنها سبحانه :وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً( 13 ) [ النبأ ] وقال عنها وعن القمر :هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ( 5 ) [ يونس ] وعن النجوم قال سبحانه :وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ( 97 ) [ الأنعام ] .