ويقول الحق في آخر الآية :
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
والذهن أو المخ - كما نسميه - فيه ملكات متعددة مثل : ملكة التخيّل ، وملكة الحفظ والاختزان ، وكثير من الملكات الأخرى منها ملكة التذكّر . ومعنى التذكّر أن شيئا سبق لك إلف « 1 » به ، فطرأ عليك ما أنساك ، وحين تنسى أمرا يخصّ أحد أقرانك ، فهو يقول لك : تذكر يا أخي الأمر الفلاني ، وهو لا يأتي لك بأمر مجهول لم تعرفه أولا ، بل يأتي لك بأمر كان معلوما لك ، ولكنك نسيته .
والإنسان حين ينظر إلى الكون نظرة غير متحيزة لا بد أن يؤمن بأن لهذا الكون إلها ، وهذا الأمر لا نأخذه من الفلاسفة ، بل من رجل الشارع ، وراعى الشاة ؛ فقد جاء في الأثر أن راعيا كان يسير في الصحراء فرأى بعرا « 2 » في الطريق ، فقال : إذا كان البعر يدل على البعير ، والسير يدل على المسير ، أفلا يدل كل هذا الكون على وجود اللطيف الخبير ؟ !
والمثال من حياتنا اليومية : أن غسّالة الملابس الكهربية - وهي لا تدل على شئ ضروري في الحياة ، بدليل أن السابقين علينا كانوا يغسلون ملابسهم بدونها ، فهي تمثل ترفا ، لا ضرورة - نجد الناس يعرفون من الذي ابتكرها ، ومن أوصلها بالكهرباء ومن صنع لها توقيتات دورات الغسيل ، ومثلها مثل المصباح الكهربى الذي يفسد بعد عدد معيّن من الساعات ، ونجد التلاميذ يدرسون تاريخ من صنعه ، فهل يمكن أن ننسى من خلق الشمس التي تضئ الكون ؟
هامش
( 1 ) ألفت الشئ وآلفته : لزمته ، أو أنست به ، أو اعتدته ، فهو مألوف . قال تعالى :لِإِيلافِ قُرَيْشٍ( 1 ) [ قريش ] .
( 2 ) البعرة : واحدة البعر ، وهو رجيع الخفّ ، والظّلف من البعير .