لوجهين ، فهناك نفس جازية هي التي تتشفع ونفس مجزىّ عنها هي التي يتشفع لها .
والضمير الذي يأتي في قوله الحق :
وَلا يُقْبَلُ مِنْها
و
وَلا يُؤْخَذُ مِنْها
و
وَلا تَنْفَعُها ،
هذا الضمير يصح أن يرجع إلى النفس الشافعة ، ويصح أن يرجع إلى النفس المشفوع لها . والإنسان منا إذا ما كان عليه شئ لإنسان آخر ، وغير قادر على أن يستبرىء ذمته منه ، فهو يلجأ إلى صديق لهذا الآخر ، له مكانة عنده ليستشفع له . وفور أن يذهب صاحب المكانة إلى هذا الآخر فهو يقول له : هل تقبل شفاعتي لفلان ؟ فإن قال صاحب الأمر : لن أقبل الشفاعة ، فالمستشفع عنده يقول له : إذن : سأدفع العدل ، أي : ما يساوى قيمة ما كنت سأتشفع له فيه . وهكذا نجد أنفسنا أمام نفسين : شافعة ، ومشفوع لها . والضمير يعود على أي من النفسين .
وهكذا نجد أن صدر كل آية من الآيتين اللتين يقال عنهما : إنهما متشابهتان ، صدر كل منهما منسجم مع عجزها .
وينهى الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بعد أن أوجزت الآية فكرة عن خلق اللّه تعالى للكون ، وأنه يشفع لمن شاء ويختار من يقدم له الشفاعة ، فيقول :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 3 ) [ يونس ]
فسبحانه خلق الكون ، واستتبّت بيده مقاليد الأمور ، وخلق الإنسان ليعمر هذا الكون ، ونعلم أنه سبحانه قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو ، وحين يشهد الحق لنفسه ، فسبحانه على ثقة تامة بأن أوامره في كونه نافذة .
وقوله سبحانه :
ذلِكُمُ
أي : إشارة إلى ما تقدم من خلق السماوات والأرض ، والاستواء على العرش ، وتدبير الأمر كله ،