ولا أحد يشفع عنده إلا بإذنه ، هذا هو اللّه ربكم ، وما دام هو ربكم فاعبدوه ؛ لأنه هو الذي خلق من عدم ، وأمد من عدم ، وله كل صفات الكمال المطلق .
وهذه العبادة لا تعود عليه سبحانه بأي فائدة ، فسبحانه منزّه عن فائدة تعود عليه ؛ لأنكم إن عبدتموه فلن تزيدوا في ملكه شيئا ، وإن لم تعبدوه فلن تنقصوا من ملكه شيئا « 1 » . والعبادة يعود نفعها عليكم ؛ لأنكم ستأخذون بها منهجا يخرج كل الخلق عن أهوائهم ، ويصير هوى الموجّه واحدا ، فلا تصطدم إرادة بإرادة ، بل تتساند الإرادات ؛ فيتكامل العالم .
إذن : فالعبادة توحّد أهواء الخلق إلى مراد واحد ، لا يأنف « 2 » الإنسان منا أن يخضع له ؛ لأن هذا ليس خضوعا من بشر لبشر ، بل خضوعا من مخلوق لخالق ، وبذلك تستقيم أموركم الاختيارية ، كما استقامت أموركم غير الاختيارية .
وهكذا لا تنحصر العبادة في أركان الإسلام الخمسة فقط ، بل تكون هذه الأركان الخمسة هي الدعائم التي تقوم عليها عمارة الإسلام ، وكل الإسلام هو كل أمر لله وكل نهى له سبحانه ؛ ولذلك حين نتابع تسلسل الأمور ، سنجد أن أركان الإسلام الواجبة تعتمد على حركة الحياة كلها ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
هامش
( 1 ) عن أبي ذر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما روى عن اللّه تبارك وتعالى أنه قال : « . . . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا .
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا . . » أخرجه مسلم في صحيحه ( 2577 ) وأحمد في مسنده ( 5 / 154 ، 177 ) .
( 2 ) يأنف : يكره .