حتى يعلم المسلم أن الرسول قد يشفع له ، وأن المؤمن قد يشفع لأخيه ، وأن الأب قد يشفع لابنه « 1 » ، وحين يعلم المسلم ذلك ، فهو يحسن إلى كل هؤلاء ؛ لعله يحصل على الشفاعة منهم ، ويحسن اتباع سنة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويحسن معاملة المؤمنين ، ويحسن الابن معاملة والدية ، وهكذا يعيش المجتمع في كرامة الشفاعة بعمل الخير وإخلاص النية .
وإذا رأيت إنسانا محسنا في دينه ، فلا بد لك أن تحترمه ؛ لأن إحسانه في دينه قد ينفعك أنت ؛ ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة يقول :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) « 2 » [ الفاتحة ]
وكان الحق سبحانه قادرا أن ينزلها « إياك أعبد وإياك أستعين » ولكنه شاء أن تنزل على صورتها تلك ؛ حتى يأذن سبحانه بقبول الصفقة من كل قائليها ، فيتقبل من عباده أعمالهم بما يغفر لبعضهم الأشياء المعيبة .
ولذلك أقول : إن رأيت إنسانا مستغرقا في العبادة فلا تسخر منه ولا تهزأ به ؛ لأن حرصه على الطاعة وانشغاله بالعبادة قد تنفعك أنت .
وساعة تتلقى أمرا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتجده شاقّا ، فعليك أن تتذكر أنه المرجع الذي قد يشفع لك في الأمور التي لم تقدر عليها .
هامش
( 1 ) هذه الشفاعة مقيدة بألا تكون في حد من حدود اللّه ، وهذا ما دلت عليه السنة الصحيحة ، فعن عائشة رضى اللّه عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة الفتح ، فقالوا : من يكلم فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقالوا : ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتى بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكلمه فيها أسامة بن زيد ، فتلون وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أتشفع في حد من حدود اللّه ؟ » فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول اللّه » الحديث . أخرجه مسلم في صحيحه ( 1688 ) والبخاري في صحيحه ( 6788 ) .
( 2 ) مراد الشيخ أن العبادة أولا ثم يأتي العون ؛ لذلك نجد سيدنا إبراهيم عليه السّلام عندما أودع هاجر وإسماعيل إلى البيت الحرام قال :رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ( 37 ) [ إبراهيم ] فالعبادة سبقت ، والعبادة وسيلة العطاءات والشفاعات وبالعبادة يأتي العون .